أكبر موقع للأبحاث في جميع التخصصات موقع أبحاثي تفضل بزيارته ** بالضغط هنا ** كلمة الإدارة


العودة   منتديات التفوق > المنتدى الإسلامي Islamic Forum > تفسير القران الكريم
تفسير القران الكريم تفسير القرآن الكريم وفق ما أثر عن عظماء المفسرين تعليم التفسير, تفسير آيات, تفسير سور, شرح آيات, معاتي الآيات

الإهداءات



إضافة رد
قديم 12-05-2014, 05:19 PM   #1
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً
 

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Oct 2011
 أخر زيارة : 09-19-2017 (01:52 PM)
 المشاركات : 13,192 [ + ]
 التقييم :  10
افتراضي تفسير آية 6 من سورة المائدة التي فيها 800 حكم مسألة




قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *}} [المائدة: 6] .


قوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ} } الخطاب في قوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } سبق الكلام عليه عدة مرات فلا حاجة إلى إعادته هنا.
قوله: {{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} } أي: إذا أردتم الصلاة، ولا يشترط أن يقوم الإنسان على قدميه، بل متى أراد وإن كان قاعداً فإنه يلزمه ما أمره الله به.
وقوله: {{إِلَى الصَّلاَةِ} } الصلاة عبادة معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، هكذا قال العلماء في تعريفها، ولم يذكروا كيفيتها؛ لأنها يعلمها الخاص والعام، فقولنا: «مفتتحة بالتكبير» هذا فصل يخرج ما عدا الصلاة؛ لأن جميع العبادات التي سوى الصلاة ليس فيها افتتاح بالتكبير، وقولنا: «مختتمة بالتسليم» يخرج ما يبتدئ بالتكبير ولا يختتم بالتسليم، كالطواف بالبيت، على أن ابتداء الطواف بالتكبير ليس بركن، لكنه من المندوبات، لكنه يخرج بقولنا: مختتمة بالتسليم، فإن الطواف لا يختتم بالتسليم، وهذا مما يدل على أن الحديث المروي مرفوعاً إلى الرسول عليه الصلاة والسلام: «أن الطواف بالبيت صلاة» [(42)] لا يصح مرفوعاً، إنما هو عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو لا يصح طرداً ولا عكساً.
ولهذا كان القول الراجح أن الطواف لا تشترط له الطهارة؛ لأنه لا يدخل في الصلاة، ولا يمكن أن يدخل في هذه الآية لأنه ليس بصلاة، وإذا تبين أن الحديث المرفوع الذي هو في الحقيقة موقوف، إذا تبين أنه لا يصح طرداً ولا عكساً تبين أنه لا يشترط له الطهارة. ونتكلم على هذا إن شاء الله في الفوائد.

لو قال قائل: قلنا في تعريف الصلاة: إنها عبادة مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وقلنا: إن قولنا: «مختتمة بالتسليم» أخرج ما ليس بصلاة، ألا يقوي هذا القول أن سجود التلاوة ليس بصلاة لا سيما أننا إذا قلنا إنه صلاة لزمنا أن نقول: إن الإمام يتقدم على المأمومين وأنهم لا يسبقونه يعني في القيام من السجود والتزامات أخرى؟
الجواب: سجود التلاوة إن كان في الصلاة فله حكم سجود الصلاة، يعني يكبر له عند السجود وعند الرفع، وإن كان خارج الصلاة فإن من العلماء من قال: لا يكبر له، لا عند السجود ولا عند النهوض من السجود ولا يسلم له، ومن العلماء من قال: يكبر للسجود ولا يكبر للرفع ولا يسلم، وهذا ظاهر صنيع ابن القيم رحمه الله، أما شيخه فيرى أنه ليس بصلاة، وأنه يجوز على غير طهارة، وإلى غير القبلة، وأما أنا فأميل إلى أنه صلاة من وجه أنه لا يجوز للإنسان أن يسجد على غير طهارة، وأيضاً لا يسجد إلى غير القبلة، والحمد لله الأمر ليس بواجب لكن على القول بأنه صلاة إذا قرأ والناس يستمعون ثم سجد، فإن من خلفه يصفون ويسجدون وراءه.

قوله: {{إِلَى الصَّلاَةِ} } لو قال قائل: {{الصَّلاَةِ} } في اللغة الدعاء فيكون المراد إذا قمتم إلى الدعاء؟
قلنا: لا، ما ثبت أنه نقل عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي فإنه إذا ورد في لسان الشارع يحمل على الحقيقة الشرعية، يعني: على المعنى الشرعي، ولهذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» [(43)] هل نقول: المعنى: لا يقبل الله دعاء أحدكم؟ لا أحد يقول بذلك، مع أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نقول: الحقائق اللغوية إذا نقلت إلى حقائق شرعية وجب أن تحمل على الحقائق الشرعية في لسان الشارع.

قوله: {{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} } الغسل المعروف هو إمرار الماء جرياً على العضو، يعني: يجري الماء عليه، احترازاً من المسح على العضو، «والوجوه» جمع وجه، وإنما سمي وجهاً؛ لأنه تحصل به المواجهة وأيضاً من وجه آخر لأنه وجه القلب، فالإنسان يعرف ما في قلبه مما في وجهه، ولهذا إذا سر الإنسان استنار وجهه، وإذا غم انقبض وجهه، فهو تحصل به المواجهة الحسية وهو وجه للقلب حقيقة؛ لأنه ينبئ عما في القلب.
إذاً: «الوجه» ما تحصل به المواجهة، وحدّه العلماء بأنه عرضاً من الأذن إلى الأذن، فالبياض الذي يكون بين العارض والأذن يعتبر من الوجه، وأما طولاً فإنه من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وهذا الضابط من منحنى الجبهة أقرب من قول بعضهم من منابت شعر الرأس؛ لأنك إذا قلت: من منابت شعر الرأس؛ لزم أن تقول المعتاد، ليخرج الأفرع والأنزع؛ لأن بعض الناس تنزل منابت شعره إلى الجبهة، وبعض الناس ترتفع إلى الناصية، لكن إذا جعلنا الضابط هو منحنى الجبهة صار هذا أدق، وأيضاً هو المطابق للواقع؛ لأن الذي يواجه الناس عند اللقاء هو ما دون المنحنى، أما ما وراءه فهو مواجه للسماء أي: لأعلى.

ومسترسل اللحية من أهل العلم من قال: إنه من الوجه، وعلى هذا فإذا كان للإنسان لحية طويلة فإنها داخلة في الوجه، وقال بعض العلماء: إن المسترسل من اللحية ليس من الوجه، وذلك لأنه في حكم المنفصل؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء في جسد الإنسان في حكم المنفصل: الشعر والظفر والسن، فنقول: ما دام ذلك في حكم المنفصل فإنه لا يدخل في حد الوجه، ولكن الصحيح أنه يدخل في حد الوجه لأنه تحصل به المواجهة ولأنه قد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث إسناده حسن أنه كان يخلل لحيته في الوضوء[(44)].
فإذا قال قائل: هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب؟
قلنا: الفعل لا يدل على الوجوب في الأصل، لكن إذا وقع مبيِّناً لمنطوق صار له حكم ذلك المنطوق.
قوله: {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} } أيدي جمع يد، {{إِلَى الْمَرَافِقِ} } هنا قَيَّدَ اليد بأنها إلى المرافق، فيجب أن تغسل اليد من أطراف الأصابع إلى المرفق، والمرفق هو مفصل العضد من الذراع، وسمي مرفقاً لأن الإنسان يرتفق به، أي: يتكئ عليه.
وقوله: {{إِلَى الْمَرَافِقِ} } قال العلماء: {{إِلَى} } هنا بمعنى «مع»، وإنما أولوها بمعنى «مع»؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ثبت عنه أنه إذا توضأ غسل مرفقيه[(45)]، فتكون السنة مبيِّنة للقرآن، ثم استدلوا بأن لهذا نظيراً في القرآن مثل قوله تعالى: {{وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ}} يعني: أموال اليتامى {{إِلَى أَمْوَالِكُمْ}} [النساء: 2] ولكن الاستشهاد بهذا الشاهد فيه نظر، المهم أن الذي بيَّن أن منتهى الغاية هنا داخل هي السنة.
قوله: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} } المسح هو إمرار اليد على الممسوح، لكن من المعلوم أن المراد امسحوها بالماء، أي: امسحوا الرؤوس بالماء، ولهذا زعم بعض العلماء أن في الآية قلباً، وأن المعنى امسحوا رؤوسكم بالماء، ونحن نقول: إن «الباء» هنا ليست لتعدية الفعل بالباء ولكنها مفيدة لمعنى زائد على المسح وهو الإلصاق والاستيعاب أيضاً، وإن كانت دلالة المسح على الإلصاق واضحة، وأما الاستيعاب فلأن الباء تدل على الاستيعاب، ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: {{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}} [الحج: 29] يدل على وجوب استيعاب البيت بالطواف؛ لأن الباء للاستيعاب.

وقوله: {{بِرُؤُوسِكُمْ} } ما حد الرأس؟ الرأس ما ترأس، والعضو المترئس على البدن كله هو ما بين مفصل المخ والرقبة، وعلى هذا فالرقبة لا تدخل في الرأس؛ لأنها عضو مستقل، ثم إذا أخرجت من الوجه بقي ما سوى الوجه مما ترأس، وهل يدخل في ذلك الأذنان؟
الجواب: نعم يدخل في ذلك الأذنان، أولاً: لأن الاشتقاق يدل على دخولهما، وثانياً: أنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يمسح بأذنيه[(46)].
قوله: {{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} } في {{وَأَرْجُلَكُمْ} } قراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: {{وَأَرْجُلَكُمْ} } بالفتح، والثانية: { وَأَرْجُلِكُمْ } بالكسر.
فعلى القراءة الأولى تكون معطوفة على قوله: { {وُجُوهَكُمْ} } لأنه إذا تعددت المعطوفات فالمعطوف عليه ما يلي العامل، وهو الأول.
وأما على قراءة الجر ففيها إشكال عند بعض العلماء:
منهم من قال: إنها جُرت على سبيل المجاورة، والمجاورة أن تتبع الكلمة ما جاورها في الإعراب، ومثلوا لذلك بقول العرب: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، فخربٍ لا تصلح أن تكون نعتاً للضب؛ لأن الخرب هو الجحر، لكن قالوا: إنه جر على سبيل المجاورة، ولكن هذا التعليل عليل، إلا أنه دأب كثير من النحويين إذا عجزوا عن توجيه الإعراب ذكروا علة قد تكون مستكرهة، ولهذا يقولون: إن علل النحويين كجحور اليرابيع، واليربوع دويبة أكبر من الفأر، والفأر معروف، لكن رجليها طويلة، ويديها قصيرة جداً، ولها ذنب طويل، وهي ذات حيل، تحفر الجحر لها في الصحراء وتجعل له باباً واضحاً ولكنها تستمر في حفره وتحفر صاعدة إلى أقصاه، حتى إذا لم يبقَ على أن تخرقه إلا قشرة رقيقة توقفت، من أجل إذا حجرها أحد من فم الجحر خرجت من الباب المغلق إلى حين الحاجة إليه، ولهذا تسمى نافقاء اليربوع.

فنقول: إن القول بأنها مجرورة على سبيل المجاورة فيه نظر.
لكن ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى مذهب جيد، قال: إن الله قال: «وأرجلَكم» بالفتح و«أرجلِكم» بالكسر لأن للرِّجل حالين: حالاً تكون فيها مكشوفة ففرضها الغسل، وحالاً تكون فيها مستورة ففرضها المسح.
وقوله عزّ وجل: {{إِلَى الْكَعْبَيْنِ} } ما هما الكعبان؟ الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وهما معروفان.
قوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} } انتهى الكلام على الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر، قوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} } في الآية إشكال من جهة أن المخاطب جماعة، والخبر بصيغة الإفراد، لم يقل: إن كنتم جُنُبِين، بل قال: {{جُنُبًا} }، وهذا جوابه سهل؛ لأن كلمة جنب في اللغة الفصحى يستوي فيها المفرد والاثنين والجماعة، وإن كان قد ورد في لغة ضعيفة جمعها على جنبين، لكن اللغة المشهورة الفصحى: أن كلمة جنب تطلق على الواحد والجماعة، فمن هو الجنب؟ الجنب من أنزل مَنِيّاً، وألحقت السنة به من جامع وإن لم ينزل، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل»[(47)].
وقوله: {{فَاطَّهَّرُوا} }، أصلها بالتاء لكن قلبت التاء طاءً، ولم يبيِّن الله جلَّ وعلا كيف نتطهر، لكن الصيغة تدل على التعميم، لم يقل: طهروا جزءاً من أبدانكم، أو عضواً من أعضائكم، بل قال: «اطهروا»، وهو شامل لكل البدن وله صفتان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد.
وبهذا انتهى الكلام على مُوجب الحدث الأكبر، وقد ذكر في كلمتين فقط، وموجب الحدث الأصغر ذكر في كلمات متعددة، ووجه ذلك: أن الأعضاء في موجب الحدث الأصغر متعددة، وأما في الحدث الأكبر فالعضو واحد فقط وهو البدن كله، ولهذا ليس فيه ترتيب، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
انتهى الكلام الآن على الطهارتين الصغرى والكبرى، بالماء.

ثم قال تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} } الآية، من هنا انتقل الكلام إلى الطهارة الأخرى وهي الطهارة بالتراب، وأول الآية الطهارة بالماء.
قوله: { {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} } كلمة مرضى جمع مريض، والمريض هو من اعتلت صحته، والمراد «إن كنتم مرضى وتضررتم بالماء».
فإذا قال قائل: لماذا قَيَّدْتَ والله أطلق؟
قلنا: لأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن المريض الذي لا يتضرر بالماء بل ربما يكون الماء صحة له ينشط به ليس بحاجة إلى أن يعدل عن الماء إلى التراب.
قوله: { {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} } أي: في سفر، والسفر كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته، وسمي سفراً؛ لأن الإنسان يسفر ويخرج من القيد أو من الحد الذي هو بلده إلى مكان آخر، وهل هو محدود أو غير محدود؟ سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد.
قوله: {{ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } } {{ أَوْ } } هنا بمعنى الواو، أي: وجاء أحد منكم من الغائط.
فإذا قال قائل: هل لما ادعيتم دليل أي: إتيان {{ أَوْ } } بمعنى الواو؟
قلنا: نعم، ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» [(48)] فـ {{ أَوْ } } هنا بمعنى «الواو»؛ لأن ما أنزله في كتابه قد سمى به نفسه، فلا يستقيم المعنى في الآية إلا بجعل {{أَوْ} } بمعنى الواو؛ لأننا إذا لم نقل: إن {{أَوْ} } بمعنى الواو صارت قسيمة للسفر والمرض يعني هذا أو هذا، والآية ليس هذا معناها، بل المعنى إذا حصل سفر أو مرض وحصل حدث وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء.
قوله: {{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ} } أيُّ أحد ذكر أو أنثى، صغير أو كبير ممن يقوم للصلاة.
وقوله: {{مِنَ الْغَائِطِ} } الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، وكانوا ـ أي: العرب ـ ينتابون هذا المكان ـ أي: الهابط من الأرض ـ ينتابونه لقضاء الحاجة، ليستتروا به عن الناس، فليس في البيوت كنف ولا حمامات ولا مراحيض، فإذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته يخرج إلى المكان الهابط يقضي حاجته فيه ليستتر بذلك عن الناس، وعلى هذا يكون الغائط هنا شاملاً لمن قضى حاجته من البول أو من العذرة، ولا يختص هذا بمن قضى حاجته من العذرة، ما دمنا فسرنا الغائط بأنه المكان المنخفض من الأرض.
قوله: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} } وفي قراءة { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} } لامستم فعل مبني للمفاعلة، بحيث يكون الفعل واقعاً من الطرفين الرجل والمرأة، ولا يصدق هذا إلا بالجماع، ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله هل المراد بالملامسة هنا الجس باليد، أو المراد الجماع؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد به الجماع وليس الجس باليد.
فإن قال قائل: عندنا قراءة صحيحة سبعية { {أَوْ لاَمَسْتُمُ} } واللمس دون الملامسة، وهو ظاهر في أن المراد به الجس باليد، فلماذا لا تقولون: إن المراد به مس المرأة؟
قلنا: لا نقول به؛ لأن القراءة الثانية {{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} } يوجب الوضوء فقط، فذكر موجبين وأهمل موجب الغسل الذي هو الجنابة، فيكون ذَكَرَ موجبين من جنس واحد وأَهْمَلَ آخر لا بد منه، وهذا ترجيح من حيث المعنى.
وقوله: { {النِّسَاءَ} } هن الإناث، وليس كل امرأة بل المراد كل امرأة تجامع، وأما من لا تجامع فإنها ليست محل شهوة، لكن لو فرض أن أحداً سلط على بنت صغيرة وجامعها فإنه يدخل في الآية.
وقوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} } إلى آخره.
قوله: { {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} } أي: ماءً تتطهرون به طهارة صغرى وطهارة كبرى.
قوله: {{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} } تيمموا أي: اقصدوا، فالتيمم في اللغة القصد، ومنه قول الشاعر:
تيممتها من أذرعاتٍ وأهلها***بيثرب أدنى دارها نظر عالي
فمعنى تيممتها أي: قصدتها، من أذرعات: هي بلدة في الشام، وأهلها بيثرب: أي: بالمدينة، أدنى دارها نظر عالي.

وقوله: { {صَعِيدًا} {طَيِّبًا} } الصعيد كل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل أو جبل أو أودية أو غير ذلك.
قوله: { {طَيِّبًا} } أي: طاهراً؛ لأن طِيب كل شيء بحسبه، فالطيب من الحيوان ما حل أكله، والطيب من الأعمال ما كان مرضياً عند الله عزّ وجل، وكل موضع يفسر الطيب فيه بما يناسبه.
قوله: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} } امسحوا بوجوهكم من هذا الصعيد، والمسح الإمرار باليد على الوجه، والمسح باليد إمرار إحدى اليدين على الأخرى.
قوله: {{مِنْهُ} } قيل: إن {مِّن} للتبعيض، وعلى هذا فلا بد أن يعلق باليد شيء من هذا التراب، وقيل: إن {مِّن} للابتداء، أي: مسحاً يكون ابتداؤه من هذا الصعيد.
قوله: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} } {{مَا} } نافية، و{{يُرِيدُ} }: هنا إرادة شرعية، أي: ما يحب الله عزّ وجل، وقوله: {{لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} }، «اللام» هنا زائدة؛ لأن التقدير: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج، ويمكن أن نقول: إن اللام هنا على أصلها وليست زائدة، ونقدر الكلام: ما يريد الله ليجعل عليكم، أي: ما يريد الله لذلك.
وقوله: {{لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ} } أي: ليُصير عليكم من حرج، و{{مِنْ} } في قوله: {{مِنْ حَرَجٍ} } زائدة إعراباً لكنها لها معنى وهي: تأكيد النفي وعمومه، و«الحرج» هو الضيق، أي: إن الله تعالى لم يرد أن يجعل علينا بما فرض علينا من الوضوء والغسل والتيمم شيئاً يضيق علينا.
قوله: {{وَلَكِنْ} } هذا استدراك، {{يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} } نقول في قوله تعالى: {{يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} } كما قلنا في قوله تعالى: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ} }.

وقوله: {{لِيُطَهِّرَكُمْ} } أي: طهارة حسية ظاهرة، وطهارة معنوية، أما الوضوء والغسل بالماء فالطهارة فيهما حسية ومعنوية، أما الحسية فإنها ظاهرة لكون الإنسان يغسل هذه الأعضاء أو يغسل البدن كله فينظفه، وأما المعنوية فلأن في الوضوء تكفير السيئات ومحو الخطيئات، وأما التيمم فإنه طهارة معنوية، وذلك لأن فيه كمال التعبد لله عزّ وجل حيث إن الإنسان يتيمم هذا الصعيد ويمسح به وجهه ويديه.
قوله: {{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ} } يعني: ويريد أيضاً ليتم نعمته {{عَلَيْكُمْ} } أي: بما شرعه لكم من العبادات، إذ لولا أن الله شرع لنا هذه العبادات لكان فعلنا لها بدعة تبعدنا عن الله عزّ وجل، ولكنه شرعها لتكون عبادة نتقرب بها إلى الله، ونتذلل بها عند الله عزّ وجل.
قوله: {{تَشْكُرُونَ}} لعل هنا للتعليل وليست للترجي؛ لأن الرجاء طلب ما فيه عسر، والله عزّ وجل لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن كل شيء سهل عليه، فتكون هنا للتعليل، وهي كثيرة في القرآن بهذا المعنى.
وقوله: {{تَشْكُرُونَ}} أي: تشكرون الله عزّ وجل على نعمه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح.
وعلى هذا قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة***يدي ولساني والضمير المحجبا
معنى البيت: أن نعماءكم عليّ ملكتم بها يدي ولساني والضمير المحجبا، فنعماؤكم أفادتكم هذه الثلاثة، فملكتموها.

فالشكر بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة من الله عزّ وجل ويحب الله عزّ وجل لذلك، أي: لكونه أنعم، ولهذا جاء في الحديث: «أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم» [(49)]، والشكر باللسان الثناء على الله بها، كما قال الله تبارك وتعالى: {{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ *}} [الضحى: 11] ومن ذلك ـ أي: من الشكر باللسان ـ القيام بكل قول يقرب إلى الله عزّ وجل.
أما الثالث فالشكر بالجوارح، أي: أن يقوم الإنسان بما يلزمه نحو هذه النعمة، فإذا كانت مالاً فقيامه بشكرها أن يؤدي زكاتها إلى أهلها، وكذلك أيضاً: إذا كانت عملاً آخر يحتاج إلى حركة بالجوارح فلا بد من أن يقوم بهذه الحركة، فالشكر إذاً: محله القلب واللسان والجوارح.
فإذا قال قائل: أيهما أعم الحمد أو الشكر؟ قلنا: بينهما عموم وخصوص وجهي، ومعنى وجهي أي: أن أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من الآخر من وجه، فباعتبار السبب الأخص الشكر؛ لأن سببه النعمة، وأما الحمد فسببه النعمة وكمال المحمود حتى وإن لم ينعم، ولهذا نحن إذا حمدنا الله عزّ وجل فإننا نحمده على كمال صفاته وعلى كمال إنعامه وإحسانه.
وأما المتعلق فالشكر أعم؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد إنما يكون باللسان فقط.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أهمية الوضوء للصلاة وإن شئت فقل: أهمية الطهارة للصلاة بوضوء أو غسل أو تيمم، وجه الأهمية: أن الله صدَّر الخطاب بالنداء؛ لأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، فإنك تجد الفرق بين أن تتحدث حديثاً مرسلاً هكذا وبين أن توجه الخطاب إلى المخاطب، فتقول: يا فلان افعل كذا، واترك كذا وما أشبه ذلك.

الفائدة الثانية: أن هذه الطهارة من مقتضيات الإيمان، كأنه قال: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} } لإيمانكم افعلوا كذا وكذا.
الفائدة الثالثة: أن الإيمان يزيد بالطهارة، وضوءاً كانت أو غسلاً أو تيمماً؛ لأنها إذا كانت من مقتضياته لزم أن يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها.

الفائدة الرابعة: أن الإخلال بها منافٍ لكمال الإيمان، يعني: لو صليت بدون وضوء أو بدون غسل أو بدون تيمم فإن ذلك ينقص من إيمانك؛ لأنك خوطبت بصفة الإيمان على أن تقوم بهذا، لكن هل ينافي أصل الإيمان؟ جمهور العلماء: على أنه لا ينافي أصل الإيمان، وأن من صلى محدثاً لم يكفر، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن من صلى محدثاً كفر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله عزّ وجل، وعلى هذا فيكون عدم القيام بها منافياً لأصل الإيمان.

الفائدة الخامسة: مشروعية الوضوء أو الغسل أو التيمم عند كل صلاة، حتى وإن كنت على طهارة، فمثلاً: لو توضأت لصلاة الظهر وجاء وقت العصر وأنت على طهارتك نقول: الأفضل أن تتوضأ، لقوله: {{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} } و«أل» هذه للعموم، ولم أعلم أن أحداً من الناس قال: إنه يشرع إذا قام لكل صلاة موالية للأخرى كما لو كان يصلي الليل ركعتين ركعتين، كلما فرغ من ركعتين ذهب وتوضأ، ولكن فيما بين الأوقات نعم، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه يشرع للإنسان إذا دخل وقت الصلاة الأخرى أن يجدد الوضوء ولو كان على طهارة.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوضوء لكل صلاة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صلى الصلوات الخمس بطهور واحد[(50)]، ولأنه أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة[(51)]، فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، أعني: وجوب الوضوء لكل صلاة.

الفائدة السادسة: أن الطهارة لا تجب إلا للصلاة، وعلى هذا فلا تجب لقراءة القرآن، ولا تجب لمس المصحف، ولا تجب للطواف، ولا تجب للسعي، ولا لغير ذلك من الأعمال الصالحة، وإلى هذا ذهب قوم من أهل العلم أنه لا وضوء إلا لصلاة.
ولهذا لما قيل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: أتتوضأ؟ ـ من عمل عمله ـ. قال: «إني لم أرد أن أصلي» [(52)] أو كما قال عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أنه من المعلوم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولا شك أن هذا هو الأصل، وأن من ادعى أن غير الصلاة يجب الوضوء له فإن عليه الدليل، وإلا فالأصل أنه لا يجب إلا للصلاة.
فلننظر: مس المصحف اختلف فيه العلماء: هل تجب له الطهارة أو لا؟
فمنهم من قال: إن الطهارة واجبة لمس المصحف، واستدلوا بقوله تعالى: {{لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *}} [الواقعة: 79] ، واستدل آخرون بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: «ألا يمس القرآن إلا طاهر» [(53)].
فأما استدلال الأولين بقوله تعالى: {{لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *}} [الواقعة: 79] فإنه لا يستقيم؛ لأن الضمير في قوله: {{لاَ يَمَسُّهُ}} ضمير المفعول به يعود إلى الكتاب المكنون، واقرأ: {{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *}} [الواقعة: 77 ـ 79] الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الكتاب المكنون، وأيضاً يقول: {{الْمُطَهَّرُونَ}} ولم يقل: إلا المطَّهِّرُون، وفرق بين المطَهر والمتطهر، والمطَهَّرون هم الملائكة.

وأما حديث عمرو بن حزم: فإن من لا يستدل بالمرسل لا يراه حجة، والحديث مرسل مشهور، يقول: ما دام مرسلاً فالمرسل من قسم الضعيف فلا نثبت به حكماً نلزم به عباد الله، فلا يستقيم الدليل، ففي هذه الآية نعبر بقولنا: لا يستقيم الاستدلال، وفي هذا الحديث نعبر بقولنا: لا يستقيم الدليل، ومن رأى أن هذا الحديث المرسل بعينه حجة لتلقي الأمة له بالقبول في الزكاة والديات وغيرها، وعملوا بهذا الحديث فإن كان خبراً فبالتصديق، وإن كان عملاً فباعتباره حكماً، والعلماء الذين صححوه أخذوا به في الديات وأخذوا به في الزكاة، وأسنان الإبل وقد اعتبروه دليلاً، والحديث وإن كان مرسلاً فإن العلماء تلقوه بالقبول، والمرسل إذا تلقته الأمة بالقبول وعملت به دل ذلك على أن له أصلاً، وهذه الفائدة الحديثية تفوت على كثير من الناس، وما أحسن البحث الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة التفسير حول هذا الموضوع.
وإذا كان حجة فقال بعض العلماء: حتى لو ثبت واحتججنا به فيما جاء فيه من الأحكام فإن قوله: «إلا طاهر» يحتمل أن يراد بالطاهر المؤمن، ويحتمل أن يراد به المتوضئ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال.
وعلى هذا: فلا تجب الطهارة لمس المصحف، فنقول في رد هذا: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، هذا إذا تساوى الاحتمالان، فليس أحدهما بأولى من الآخر، وأما مع رجحان أحد الاحتمالين فالواجب الأخذ بالراجح، ولو أننا جعلنا لكل نص يحتمل وجهين جعلنا دلالته ساقطة لضاعت علينا أحكام كثيرة وأدلة كثيرة.
فنقول: أيهما أرجح أن يراد بالطاهر المؤمن أو أن يراد بالطاهر المتوضئ؟
الثاني أرجح؛ لأننا لم نعهد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعبر عن المؤمن بالطاهر؛ لأن وصف المؤمن أحب إلى النفوس وأقوى في الثناء من وصف الطاهر.

لكن قد يقول قائل: هذا الظاهر الذي قلتم يعارضه أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم وقد بعثه إلى اليمن، فهذه قرينة على أن المراد بالطاهر المؤمن؛ لأنه متوجه إلى قوم كفار يدعوهم إلى الإسلام، وهذا لا شك أنه مؤثر في الاستدلال، لكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يستعمل قط كلمة طاهر تعبيراً عن المؤمن، يضعف هذا الوجه.
فالذي يظهر أن مس المصحف لا يجوز إلا بوضوء، هذا هو الظاهر.
لو قال قائل: كيف الجواب على حديث: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكر الله على كل أحيانه» [(54)] والقرآن داخل في عموم الذكر، فلا يشترط لقراءة القرآن الوضوء؟
الجواب: إن سلمنا أن القرآن يدخل في مطلق الذكر فإن هذا العموم خصص بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» والمسألة ليست قراءة القرآن فهي داخلة في العموم بلا شك، لكن المسألة هي مس المصحف، أما القراءة فالرسول صلّى الله عليه وسلّم يقرأ القرآن بلا وضوء، فهذا الحديث لا يعارض القول بوجوب الوضوء لمس المصحف، فهما مسألتان كل واحدة مستقلة، ولهذا نقول لمن ليس على وضوء وأراد أن يقرأ من المصحف: اجعل بينك وبينه حائلاً واقرأ.
لو قال قائل: بعض الناس منع الكتابة على المصحف هل قوله معتبر؟
الجواب: في الزمن السابق الكتابة غير معربة لا في الأصل ولا فيما يكتب على الحواشي، فَكَرِهَ بعض السلف أن يكتب على المصحف شيئاً؛ لئلا يختلط القرآن بالمكتوب أو بغيره، أما الآن فلا يختلط، فإذا كانت الكتابة لا تؤثر على الحروف فلا بأس، بمعنى أن الكتابة لا تكون بين الأسطر فتختلط بالقرآن.
بقي علينا الطواف، إذا قال قائل: أين الدليل على أن الطواف تشترط له الطهارة؟
نقول: الدليل قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» [(55)] وهذا الحديث روي مرفوعاً إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وروي موقوفاً على ابن عباس، فرواية المرفوع ضعيفة، يعني: لا نقول: إنه تعارض رفع ووقف فيجب الأخذ بالرفع؛ لأن الرافع معه زيادة علم، ولأن الراوي كثيراً ما يعبر عما رواه مرفوعاً بقولٍ من عنده، فيظن سامعه أنه موقوف عليه؛ لأننا نقول: كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يتناقض ولا يخالف الواقع، وهذا متناقض، لا يصح طرداً ولا عكساً.
فلننظر: إذا قلنا: إنه صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، نقول: يجب التكبير عند الدخول فيه، والتسليم عند الانتهاء منه، وقول: سبحان ربي الأعلى فيه وسبحان ربي العظيم، والاتجاه إلى القبلة، وألا يأكل فيه، ولا يشرب وهلمَّ جراً، فنجد أنه يخالف الصلاة أكثر مما يوافقها، وهل يمكن أن يرد عن المعصوم كلام تكون المخالفة فيه أكثر من الموافقة؟ لا يمكن أن يرد، ولهذا ليس في هذا الحديث دليل على أن الطواف تشترط له الطهارة، وهنا النظر في الاستدلال وفي الدليل أي النظر فيهما جميعاً؛ لأننا لا نقبل مثل هذا الحكم العام، الذي تتوافر الدواعي على نقله، ويحتاج الناس إليه في كل وقت وحين، لا يمكن أن نقبله وهو بهذا الثبوت الهش لا بد أن يكون قد تواتر أو اشتهر على الأقل، وثانياً: أنه لا يمكن أن يكون مرفوعاً لكونه متناقضاً.

إذاً: لا تشترط الطهارة للطواف.
فلو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، أليس الطائف إذا طاف لا بد أن يصلي؟ فهل تقولون: إن الطائف يصلي بلا وضوء؟
الجواب: لا، لا نقول ذلك، بل نقول: يطوف ولا يصلي، وليست الصلاة بعد الطواف شرطاً في صحته، فنقول: إن كان الماء قريباً ذهب وتوضأ وصلى، وإن كان لا يجد ماءً إلا بعيداً فإن الصلاة تسقط عنه.
فإذا قال قائل: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم بلا شك طاف متطهراً وصلى ركعتين خلف المقام، وقال: «خذوا عني مناسككم»[(56)]؟
قلنا: هذا الحديث: «خذوا عني مناسككم» [(57)] ليس على عمومه بالإجماع، وما أكثر المسائل التي يفعلها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وكانت على سبيل الاستحباب، فنحن نقول: المستحب بلا شك أن يطوف على طهارة ولا إشكال في ذلك، أما أن نقول: إن الطهارة شرط للطواف وأن من طاف محدثاً فطوافه غير صحيح حتى ولو لزم من ذلك مشقة عظيمة كما لو كان الطوافُ بغير طهارة طوافَ الإفاضة، ثم قدم إلى بلده وقلنا: إن حجك لم يتم، قد يكون فيه مشقة شديدة، ويقع ذلك كثيراً أعني عدم الطهارة في هذه الأعصار؛ لأن الزحام يكون شديداً، ومدة الطواف تكون طويلة، وربما يُحْدث الإنسان في أثناء ذلك، فهل نقول: اخرج وتوضأ، وإذا قلنا: اخرج وتوضأ خرج وتوضأ ثم رجع ثم أحدث مرة ثانية هذا فيه مشقة شديدة.
والذي نرى في هذه المسألة أنه لا يشترط للطواف وضوء، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويكفينا أن نستدل بهذه الآية، ونقول: أي عمل تشترط له الطهارة يحتاج إلى دليل.
لو قال قائل: ما الجواب على منع النبي عليه الصلاة والسلام عائشة رضي الله عنها من الطواف، وكذلك صفية؟
الجواب: الرسول صلّى الله عليه وسلّم منع عائشة رضي الله عنها من الطواف لأنها حائض[(58)] وكذلك صفية[(59)]، فالحائض لا يرخص لها في البقاء في المسجد، ولهذا لو اضطرت الحائض إلى أن تطوف قلنا لها: طوفي وتلجمي حتى لا يتلوث المسجد بالدم، فتطوف للضرورة، فعائشة وصفية كانا عليهما الحيض، وكلامنا في الوضوء فلا إشكال على هذا.
الفائدة السابعة والثامنة: وجوب غسل الوجه، لقوله: {{فَاغْسِلُوا} } ويتفرع على ذلك: أنه لو مسح وجهه مسحاً لم يصح وضوؤه لقوله: «اغْسِلُوا».

الفائدة التاسعة: وجوب استيعاب الوجه بالغسل، فلا بد أن يغسل كل الوجه، لقوله: { {وُجُوهَكُمْ} }.
الفائدة العاشرة: أنه لا يجب غسل شيء من الرأس، خلافاً لما ذهب إليه بعض الأصوليين وقال: يجب أن يغسل جزءاً من الرأس؛ لأنه لا يتحقق أنه غسل جميع الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، ويجب أن يمسح بعض الوجه؛ لأنه لا يتحقق أنه مسح الرأس كله إلا بمسح بعض الوجه، فيكون عندنا جزء من البدن تجب فيه طهارتان، مسح وغسل، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وهو في الحقيقة نوع من التنطع، فيقال: حد الوجه معروف، وما زاد عن الوجه فليس بواجب أن يُغسل.

الفائدة الحادية عشرة: وجوب غسل الأيدي من أطراف الأصابع إلى المرافق، لقوله: {{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} }.
لو قال قائل: الآية لم تذكر أن غسل اليدين قبل الوجه مما يدل على عدم الوجوب، لكن لو قيل إن الوجوب يؤخذ من مداومة النبي صلّى الله عليه وسلّم على غسلها؟
الجواب: هذا يرده قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً» [(60)] فأوجب الغسل فيما إذا كان قد قام من نوم الليل والفعل لا يدل على الوجوب، خاصة إذا كان عندنا نص من القرآن وظاهر السنة، وأما كونهم يستدلون بالمداومة على الوجوب في بعض الأحكام هذا إذا لم يوجد معارض، وهنا يوجد معارض وهو ظاهر الآية.
الفائدة الثانية عشرة : أنه إذا أراد غسل اليد بدأ من أطراف الأصابع؛ لأن {{إِلَى} } تفيد الغاية، فإذا كان المرفق هو الغاية لزم أن يكون أطراف الأصابع هو البداية، لكن هذا فيه شيء من النظر؛ لأن الذي تعتبر فيه البداية والنهاية إذا جاءت {{إِلَى} }، وأما إذا حددت النهاية فقط وسكت عن البداية، فإنه لا يدل على أن الأفضل البداية من الجانب الآخر، بل نقول: هذا تحديد للنهاية فقط؛ لأنه لا بد أن يحدد النهاية، مهما كان، بدأنا من الأول أو من الأطراف أو من الوسط. وعليه: فلا يظهر أنه من المشروع أن تبدأ بغسل أطراف الأصابع ثم تأتي إلى المرفق، بل يقال: الغسل ينتهي بهذا، والبدء من حيث شئت.

الفائدة الثالثة عشرة : أن اليد عند الإطلاق هي الكف فقط، وجه الدلالة، أن الله قال: {{إِلَى الْمَرَافِقِ} } ولو كانت اليد عند الإطلاق {{إِلَى الْمَرَافِقِ} } لكان هذا القيد لا فائدة منه، والأمر كذلك: أعني أن اليد عند الإطلاق إنما هي الكف، ولنا دليل على ذلك: يد السارق تقطع من مفصل الكف، لقوله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} [المائدة: 38] ولا يجوز أن يتجاوز مفصل الكف، في التيمم إنما يطهر الكف فقط ولا يتجاوز إلى المرفق، وهذا أمره واضح.
إذاً نستفيد من هذا: أن اليد إذا أطلقت فهي الكف فقط، وإن قيدت فهي بما قيدت به.
الفائدة الرابعة عشرة : وجوب مسح الرأس، لقوله: {{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} } ووجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن «الباء» للاستيعاب، ولم تأتِ في اللغة العربية للتبعيض إطلاقاً، قال ابن برهان: من ادعى أن الباء للتبعيض فقد قال عن أهل اللغة بما لا يعرفون.
الفائدة الخامسة عشرة : أنه لو غسل الرأس بدلاً عن المسح فإنه لا يجزئ؛ لأن الله أمر بالمسح، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(61)] وعلى هذا فلو أدلى برأسه حتى صب الماء من الماسورة وعم جميع الرأس فإنه لا يجزئه.
وقال بعض العلماء: إنه يجزئ مع الكراهة، مستدلاً بنظر لا بأثر، فيقول: إنما وجب مسح الرأس تخفيفاً على العباد، فإذا أراد الإنسان أن يأخذ بما هو أكمل فلا حرج عليه، كما شرع للصائم أن يفطر عند غروب الشمس، ولو أراد الوصال فله أن يواصل إلى السحر، وبعض العلماء قال: له أن يواصل اليومين والثلاثة، لكن هذا القول فيه نظر، أعني القول بإجزاء الغسل بدل المسح؛ لأن حديث عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [(62)] يقتضي رده، أي: رد الغسل بدل المسح؛ ولأن هذا من باب التنطع في الدين، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هلك المتنطعون»[(63)].
الفائدة السادسة عشرة : وجوب غسل الرِّجل، لقوله: {{وَأَرْجُلَكُمْ} } وهي معطوفة على قوله: { {وُجُوهَكُمْ} } أي: واغسلوا أرجلكم، هذا على قراءة النصب.
أما على قراءة الجر فقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز الاقتصار على مسح الرجل؛ أخذاً بالقراءة الثانية {{وَأَرْجُلَكُمْ} } وقال: إن الإنسان يغسل رجله مرة ويمسحها مرة أخرى، يغسلها بناءً على قراءة النصب، ويمسحها على قراءة الجر، وهذا لولا السنة لكان له نوع من الوجاهة، يعني: لكان وجهة نظر جيدة لكن السنة تأبى ذلك، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يغسل قدميه ولم يرد حرف عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يمسحها، بل إنه لما رأى بعض أصحابه قد غسل رجليه بما ليس بغسل نادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» [(64)] فدل ذلك على وجوب غسل القدم.

إذاً: كيف ننزل الآية؟
أما من جهة الإعراب ننزلها على ما سبق أن بعض أهل العربية قال إنها مجرورة بالمجاورة، وأن محلها حقيقة النصب، أو ننزلها على أن الرِّجل لها حالان: حال تكون مستورة، وحال تكون مكشوفة، فإذا كانت مكشوفة فالفرض الغسل، وإذا كانت مستورة فالفرض المسح، ولهذا لم يأتِ مثله في اليدين؛ لأن اليدين ليس فيهما مسح، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان عليه الجبة الشامية وصعب عليه أن يخرج يده من الكم أخرج الكم من اليد، وأخرج يده من أسفل الجبة وغسلها عليه الصلاة والسلام كما هو ثابت في الصحيح[(65)]، إذاً: نأخذ من القراءتين وجوب غسل الرِّجل إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت مستورة، فيكون فيها إشارة إلى المسح على الخفين.
وبناءً على ذلك: هل الأفضل للابس الخفين أن يخلعهما ويغسل القدمين أو أن يمسحهما؟ الثاني هو الأفضل، ويدل له أن المغيرة بن شعبة لما أراد أن يخلع خفي النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما»[(66)].
الفائدة السابعة عشرة : وجوب غسل الرِّجل إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغسل، لقوله: {{إِلَى الْكَعْبَيْنِ} }، فهل نقول: إن الرِّجل أو القدم إذا أطلق يكون لما دون الكعبين كما قلنا في اليدين؟
الجواب: نعم، وذلك أن الرجل عند الإطلاق حدها مفصل العقب، وكما نعلم أن قطاع الطريق الذين تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف يقطعون من مفصل العقب، ويبقى العقب غير مقطوع، وهنا إذا قلنا: الرجل إلى الكعبين دخل العقب؛ لأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وذهبت الرافضة إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، قال ابن كثير رحمه الله:

وقد خالفوا أهل السنة في تطهير الرجل من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول : أنهم جعلوا حد التطهير إلى العظم الناتئ على ظهر القدم.
الوجه الثاني : أنهم قالوا: إن الواجب في الرِّجل هو المسح دون الغسل.
الوجه الثالث : أنهم أنكروا المسح على الخفين، وقالوا: لا يجوز المسح على الخفين، والعجب أنهم أنكروا ذلك مع أن من جملة رواة المسح الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إمام الأئمة عندهم، ومع ذلك خالفوه.
على كل حال: لسنا الآن في موضع نقاش مع هذا الرأي، ولكن نقول: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.
الفائدة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة : وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، ولذلك وجهان:
الوجه الأول : أن قوله: {{فَاغْسِلُوا} } جواب للشرط، وجواب الشرط يكون مرتباً في ذاته كما هو مرتب على فعل الشرط، {{إِذَا قُمْتُمْ}} .. {{فَاغْسِلُوا} } فقوله: «اغسلوا» إلى آخره مرتب على قوله: {{إِذَا قُمْتُمْ} }، فإذا كان كذلك لزم أن يكون هذا الفعل المرتب على شيء هو بنفسه مرتباً.
الوجه الثاني : أن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وهو أن يكون تطهير الرأس في محله أي: بين غسل اليدين وغسل الرِّجلين، هذا مأخوذ من الآية نفسها، أما من السنة: فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أقبل على الصفا بعد الطواف وأراد السعي قال: «أبدأ بما بدأ الله به» [(67)] وفي لفظ في غير الصحيح قال: «ابدءوا» [(68)] بلفظ الأمر، وهذا يدل على أن ما بدأ الله به فهو أحق بالتقديم، وعلى هذا يكون دليل الترتيب من وجهين في الآية ومن دليل منفصل من السنة ويتفرع على هذا أنه لو توضأ مُنكساً فبدأ بالرِّجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، هل يصح الوضوء أم لا؟
الجواب: إن كان عبثاً فغير صحيح، أي لا يصح الوضوء في أي عضو من الأعضاء، بل قد يكون خطراً على دين المرء أن يعبث بشريعة الله، وإن كان نسياناً أو جهلاً صح غسل الوجه فقط، ثم يطهر ما بعده، هذا في الترتيب؛ لأنه إذا كان عابثاً فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً كله، وإن كان ناسياً أو جاهلاً فإنه معفو عنه وحينئذٍ نقول: كأنك ابتدأت من الآن، وقد غسلت الوجه فأكمل الباقي.
الفائدة العشرون : وجوب الموالاة، وجهه: أن غسل هذه الأعضاء جاء مرتباً على الشرط، فلا بد أن يكون أجزاء هذا الفعل المرتب على الشرط لا بد أن تكون متوالية؛ لأن الشرط يعقبه المشروط، هذا وجه الدلالة من الآية، أما من حيث النظر، فيقال: إن الوضوء عبادة واحدة فإذا جزأه المتوضئ لم يظهر كونه عبادة واحدة، يعني: لو غسل وجهه الساعة الواحدة، وغسل يديه في الساعة الثانية، ومسح رأسه في الساعة الثالثة، وغسل رجليه في الساعة الرابعة فإنه لا يتبين أن هذه عبادة واحدة، إذاً: لا بد من الموالاة، ولكن كيف نحد الموالاة؟
من العلماء من قال: إننا لا نحدها بحد، ونقول: ما جرى فيه العرف أنه منفصل فقد فاتت فيه الموالاة، وما لم يجرِ العرف أنه منفصل فهو متصل، وحدَّه بعض العلماء بحدٍّ آخر قد يكون أكثر انضباطاً وقال: حد الموالاة أن لا ينشف العضو قبل غسل الذي بعده بزمن معتدل، وهذا هو المشهور من المذهب.

وبناءً على ذلك: لو أن العضو يبس قبل أن يغسل الثاني في زمن معتدل لانقطعت الموالاة، وإذا انقطعت الموالاة وجب إعادة الوضوء.
الفائدة الحادية والعشرون: وجوب غسل البدن كاملاً من الجنابة، لقوله تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} }.
لو قال قائل: المريض إذا كان عليه جنابة ولا يستطيع أن يغتسل فهل يلزمه الوضوء، وإذا كان أيضاً عادم الماء وهو عليه الجنابة يعني لم يجد إلا ماءً يكفي لوضوئه فهل يتوضأ؟
الجواب: الظاهر أنه يتوضأ؛ لأن الوضوء يخفف الجنابة، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «في الرجل ينام وهو جنب، قال: نعم إذا توضأ» [(69)] وكذلك أيضاً الجنب إذا أراد الجلوس في المسجد يتوضأ، فإذا كان الوضوء له تأثير في تخفيف الجنابة فليتوضأ.
الفائدة الثانية والعشرون : أنه لا يشترط في الغسل ترتيب، وأن المغتسل لو بدأ من أسفل بدنه أو من وسط بدنه أو من أعلى بدنه وعمَّه بالماء كان ذلك مجزئاً؛ لأن الله تعالى قال: {{فَاطَّهَّرُوا} } ولم يُفَصِّل .
وقال بعض الناس: بل يجب الغسل كما اغتسل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإن هذه الآية مجملة، وبيَّنتها السنة النبوية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الاغتسال كاغتسال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا كقوله: {{أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}} فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام كيفية إقامتها وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»[(70)] . ولكن هذا ضعيف، والصواب أنه لا يشترط فيه الترتيب، ويدل لذلك: أنه ثبت في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي لم يره النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلي بعد أن انتهى من صلاته، فسأله: لماذا لم تصلِّ؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، يعني: ليس عندي ماء أغتسل به، فقال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» وبعد ذلك جيء بالماء وانتهى الناس من الشرب وسَقْي إبلهم فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بقي بقية قال لهذا الرجل: «خذ هذا فأفرغه على نفسك» [(71)] فأخذه الرجل واغتسل، ووجه الدلالة: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذكر له كيف يغتسل، قال: أفرغه على نفسك، وعلى هذا فيكون هذا الحديث موافقاً لظاهر القرآن، وهو أن الواجب في الغسل أن يعم البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولى.
فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بركة أو في بحر ناوياً رفع الحدث من الجنابة ثم خرج فهل يكفيه؟
الجواب: نعم يكفيه لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق، والدليل على هذا أنه يجب أن يطهر الفم والأنف في الحدث الأصغر ففي الأكبر من باب أولى.
الفائدة الثالثة والعشرون : أنه لا تشترط الموالاة في الغسل، فيجوز أن يغسل بعض بدنه في أول النهار وبعض بدنه في آخر النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه تطهر، وليس كالوضوء الذي رتب على شرط فصار لا بد فيه من الموالاة، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن الراجح أنه لا بد من الموالاة، وأنه لو غسل بعض جسده ثم ترك الباقي حتى نشف فإنه لا بد أن يعيد ما غسله أولاً، والتعليل: أن هذه عبادة واحدة فلا بد من أن تتوالى أجزاؤها.
الفائدة الرابعة والعشرون : أن غسل الجنابة تُستباح به الصلاة، وأنه لا يجب الوضوء معه، وجه الدلالة: أن الله قال: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} }، ولم يذكر وضوءاً حتى لو لم ينوِ إلا رفع الحدث الأكبر فإنه يجزئه لعموم الآية، ولا شك أن المغتسل إما أن ينوي رفع الحدثين أو ينوي رفع الحدث أو ينوي استباحة الصلاة، فإن نوى رفع الحدثين أجزأه ولا إشكال، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [(72)] وإن نوى استباحة الصلاة فلا شك أنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، وجهه أن الصلاة لا تستباح إلا بذلك، وإن نوى رفع الحدث الأكبر فقط، فمن العلماء من قال: إنه لا يجزئ عن الحدث الأصغر، ومنهم من قال: إنه يجزئ وهو الراجح؛ لأن الله لم يذكر سوى ذلك.

الفائدة الخامسة والعشرون : أن المرض من أسباب جواز التيمم، لقوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} }، يعني: فتيمموا، وقوله: {{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} }، فظاهر الآية: أن المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء، فإما أن نأخذ بظاهر الآية ونقول: المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء وحينئذٍ يبقى التقييد بالمرض لا فائدة منه؛ لأن من لم يجد الماء يباح له التيمم سواءً كان مريضاً أو غير مريض، فيقال في الجواب ـ والله أعلم ـ: إن قوله تعالى: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} } يدل على أن المراد المريض الذي يلحقه الحرج من استعمال الماء.
وأما التقييد بعدم وجود الماء فهو للمسافر؛ لأن المسافر لا يشق عليه استعمال الماء إذا وجده ولا يلحقه حرج به، فيكون تيمم المسافر مشروطاً بعدم وجود الماء، ويكون تيمم المريض مشروطاً بوجود الحرج، لقوله: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} }.
الفائدة السادسة والعشرون : أن الدين يسر سواء كان من أصل المشروعات أو إذا وجد سبب للرخصة؛ لأن المشقة تجلب التيسير لكنها لا تسقط الواجب إلا في حدود الشرع.
الفائدة السابعة والعشرون : أنه لا يجب التطهر بغير الماء، يعني: لو كان مع الإنسان نبيذ أو شاي أو لبن فإنه لا يتطهر به؛ لأن الله جعل آلة الطهارة هي الماء، قال تعالى: {{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} }.
الفائدة الثامنة والعشرون : أن الماء ما دام يطلق عليه اسم الماء فإنه مطهر ولو تغير بشيء طاهر، لعموم الآية: {{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} } و{{مَاءً} } نكرة في سياق النفي، فما دام اسم الماء باقياً فإنه يجب التطهر به ولو مع التغير.
الفائدة التاسعة والعشرون : وجوب طلب الماء، لقوله: {{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} } قال العلماء: ولا يقال: غير واجد إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، أما إنسان باقٍ قاعد ويقول: لم أجد، هذا غير صحيح.
ولكن كيف يكون هذا الطلب، هل يجب عليه أن يطلب الماء من مسافات بعيدة أو بقدر ما لا يكون فيه مشقة؟
الثاني، يعني يجب عليه أن يطلب الماء في الأماكن القريبة منه التي لا يلحقه حرج بطلب الماء فيها، وإذا تيقن عدم وجود الماء حوله فلا يجب عليه البحث عند كل صلاة؛ لأن هذا عبث ومنافٍ للحكمة ومنافٍ للشرع.
فإن قال قائل: لو كان في أرض ولا يعلم أن حوله ماء ثم وجد الماء بعد الصلاة قريباً منه هل يعيد أم لا؟
الجواب: نقول: إذا كان يعلم أنه لا ماء فيها وأن الماء حدث من بعد، كأرضٍ حفر فيها بئر بعد طلبه فهذا لا يعيد؛ لأنه جاهل، أما إذا كان لم يطلب ثم وجد الماء بعد صلاته فهذا عليه الإعادة؛ وذلك لأنه مفرط حيث لم يطلب، والله عزّ وجل يقول: {{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} }، ولا يجب على راجي الماء أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها لأنه توجه الأمر إليه من أول الوقت، لكن التأخير أفضل.
الفائدة الثلاثون : جواز التيمم من الصعيد الذي على ظهر الأرض أياً كان لقوله: {{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} } سواء كان هذا الصعيد رملياً أو حجرياً أو سبخة أو يابساً أو رطباً يعني: ندياً، المهم أنه يسمى صعيداً.

لو قال قائل: ورد في الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقبل على جدار فمسح وجهه ويديه[(73)] كيف يوجه هذا الحديث؟
الجواب: الجدار إذا كان عليه غبار فلا بأس بالتيمم ولو كان مطلياً بالدهان، وكذلك لو كان الصعيد غير متصل بالأرض كأن يأخذ حجراً أو رملاً وينقله إلى مكان، وكذا الغبار الذي يكون تحت السجادة أو الموكيت كل هذا جائز ولا بأس بالتيمم منه.
الفائدة الحادية والثلاثون: أنه لا ينقض الوضوء إلا الغائط سواء ببول أو بعذرة، لقوله تعالى: {{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ} } ولم يذكر سوى ذلك، ولهذا لم يُجْمِع العلماء من نواقض الوضوء إلا على ما خرج من السبيلين القبل أو الدبر، فكل النواقض ما عدا هذا فيها خلاف.
وعليه فنقول: إنَّ القرآن دل على ناقضٍ واحد من نواقض الوضوء وهو الخارج من السبيلين من بول أو غائط، والبقية تحتاج إلى دليل، فإن وجد دليل من السنة أخذنا به وإن لم يوجد فالأصل بقاء الوضوء؛ لأن الإنسان توضأ بمقتضى دليل شرعي وارتفع حدثه بمقتضى دليل شرعي، فلا يمكن أن ننقض هذا إلا بدليل شرعي، فلننظر، من العلماء من قال: في الآية دليلٌ على أن مس المرأة ينقض الوضوء لقوله: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} } وفي قراءة: { {أَوْ لاَمَسْتُمُ} } ولكن سبق في التفسير إن القول الراجح المتعين أن المراد بالملامسة الجماع، وبيَّنا وجه ذلك فيما سبق أثراً ونظراً، وننظر بقية النواقض.
الثاني: الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء: كالدم وما تفرع منه، والقيء، والعرق، والريق وما أشبه ذلك، كل هذا لا ينقض الوضوء، فإن ادعى أحد شيئاً من ذلك ينقض الوضوء قلنا: هاتِ الدليل، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يصابون بالجراح وكانوا يقيئون ومع ذلك ولشدة دعاء الحاجة إلى بيانه لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على وجهٍ يثبت أن ذلك ناقض للوضوء وعلى هذا فلا نقض.
الثالث: لمس النساء من تقبيل أو مباشرة أو غير ذلك سوى الجماع، ليس في السنة ما يدل على أنه ناقض للوضوء، إلا إذا خرج شيء فيكون النقض بالخارج، وعلى هذا فلو أن إنساناً قَبَّلَ زوجته وهو على وضوء ولم يخرج منه شيء فوضوؤه باقٍ على حاله.
لو قال قائل: مس الذكر إذا كان بشهوة يجب فيه الوضوء، ومس المرأة مظنة للشهوة أكثر من مس الذكر ولا يجب فيه الوضوء، فما الجواب عن هذا؟

الجواب: صحيح هذا الإيراد الذي قد يورده مورد، فنقول: مس المرأة لم يرد عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالوضوء، بل كان يُقبِّل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ[(74)].
الرابع: النوم، والنوم أيضاً فيه خلاف يبلغ إلى ثمانية أقوال، هل ينقض أو لا ينقض؟ والصحيح أنه ناقض لكن بشرط: أن يكون مظنة الحدث وهو النوم المستغرق الذي لو أحدث الإنسان فيه لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يتراءى للإنسان الأحلام ولكنه مستيقظ ولو أحدث لأحس فهذا لا ينقض الوضوء، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، وأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من نعس في صلاته أن ينصرف، قال: «لأنه لا يدري أيدعو لنفسه أم يدعو عليها» [(75)] أو كما قال صلّى الله عليه وآله وسلّم.
فدل ذلك: على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء، ولكن ما هو النوم اليسير؟ هو الذي لو أحدث الإنسان حال نومه لأحس بنفسه، ولا فرق بين أن يكون مضطجعاً أو متكئاً أو جالساً أو قائماً أو راكعاً.
الخامس: أكل لحم الإبل، وفيه خلاف، والنقض به من مفردات الإمام أحمد رحمه الله، والأئمة الثلاثة كلهم على خلافه، لكن الرجوع للدليل هو الحاكم، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: «توضؤوا من لحوم الإبل» [(76)] وأنه سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم» ، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، قال: إن «شئت» [(77)]، وهذا يدل على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، والدليل: أنه خَيَّرَ بين الوضوء وتركه في أكل لحم الغنم وقال في لحم الإبل: «نعم توضأ» فإذا خَيَّرَ في لحم الغنم دل على أن لحم الإبل لا خيار فيه، وأنه لا بد أن يتوضأ منه، ولا فرق بين أن يكون نيِّئاً أو مطبوخاً.
فإذا قال قائل: إنه قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أهل السنن من حديث جابر رضي الله عنه: «أن آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ترك الوضوء مما مست النار» [(78)] و{ : {مَا} }: اسم موصول يشمل لحم الإبل وغيره.
فالجواب: أن هذا عام ولحم الإبل خاص، ومعلومٌ أن الخاص يقضي على العام، وإنما قال جابر ذلك؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر أولاً أن يتوضأ الإنسان إذا أكل مما مسته النار، حتى الخبزة إذا أكلها يتوضأ منها، ثم بعد ذلك نسخ هذا الأمر وصار الوضوء مما مست النار ليس بواجب.

السادس: مس الذكر أيضاً فيه خلاف بين العلماء واختلفت فيه الأحاديث، ففي بعضها الأمر بالوضوء وفي بعضها أن لا وضوء منه، وعلل النبي عليه الصلاة والسلام عدم الوضوء منه بقوله إنه بضعةً منك: لما سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه وضوء؟ قال: «لا، إنما هو بَضْعَةٌ منك» [(79)]، و«البضعة»: يعني الجزء، ومعلوم أن الإنسان إذا مس جزءاً منه لا ينتقض وضوؤه، فلو مس رأسه أو مس يده الأخرى أو مس رجله أو بطنه أو ظهره لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس ذكره، كلها أعضاء، وهذا التعليل تعليل بعلة ثابتة لا يمكن أن تتغير؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذكر الإنسان غير بضعة منه، فهو لا يتغير، وإذا كانت العلة لا يمكن أن تتغير كان الحكم كذلك لا يمكن أن يتغير، ثم إن العلة هنا خبر من الرسول عليه الصلاة والسلام أي: أنها علة منصوصة بلفظ الخبر، والخبر لا يمكن أن يتخلف، وعلى هذا فلا وضوء من مس الذكر.
لكن قد ورد حديث آخر يقابله أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «من مس ذكره فليتوضأ» [(80)] وهذا عام، فيقال: هذا الحديث عام، وإن شئت فقل: مطلق، وإذا كان كذلك وجب أن يحمل على معنىً لا ينافي الحديث الأول، فما هو المعنى الذي لا ينافيه؟
نقول: إذا مس الإنسان ذكره كما يمس بقية أعضائه فإنه لا وضوء عليه؛ لأنه بضعة منه، أما إذا مسه للمعنى الذي يختص بالذكر وهو الشهوة فعليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحال ليس مسه كمس بضعة من الإنسان، بل مسه المس الذي يختص بالذكر وهو الشهوة ولأن الشهوة مظنة الحدث؛ لأن الإنسان قد يمذي بدون أن يشعر بذلك، فألحقت المظنة باليقين، وعليه فيكون الراجح في هذه المسألة: أن من مس ذكره لشهوة انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء، ومن مسه لغير شهوة فلا وضوء عليه، وهذا أعدل الأقوال وفيه الجمع بين الأقوال أيضاً؛ لأنك إذا قلت: لا وضوء، وافقت قول من يقول: لا وضوء فيه مطلقاً، وإذا قلت: فيه الوضوء؛ وافقت قول من يقول: إن فيه الوضوء مطلقاً، ويكون هذا التفصيل هو التحصيل.
تنبيه:
مس فرج الصغير لا ينقض الوضوء إلا إذا كان له سبع سنوات، وبعضهم يرى الإطلاق، والراجح كما تقدم لا بد من شهوة.
السابع : تغسيل الميت: لا دليل عليه، فحديثه ضعيف، ولا دليل على أنه ناقض للوضوء، وعلى هذا فلا يكون ناقضاً للوضوء حتى إذا قلنا: إن الميت كله عورة فإنه لا ينتقض وضوء غاسله، وأما حمل الجنازة: فلا ينقض الوضوء ولا أظن أحداً قال به.
الثامن : الردة، في الواقع أنها تحبط الأعمال كلها، ولكن الله اشترط لحبوط العمل بها أن يموت الإنسان على الكفر، لكن إذا قلنا: بأنه يجب على من أسلم أن يغتسل صار الوضوء واجباً من هذه الناحية، ووجوب الاغتسال لمن أسلم فيه خلاف أيضاً وربما يذكر إن شاء الله تعالى في مكان آخر.
الفائدة الثانية والثلاثون : أن التيمم جائز في الحدث الأصغر وفي الحدث الأكبر؛ لأن الآية واضحة، قال تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} } ثم قال: {{عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} } ذكر الله تعالى التيمم بعد الوضوء وبعد الغسل من الجنابة، فيكون في ذلك دليل على أن من عليه غسل الجنابة إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وهذه المسألة فيها خلاف قديم، حتى إن عمر رضي الله عنه أنكر على عمار بن ياسر الإفتاء بجواز التيمم للجنب، وكان يرى ـ أي: عمر ـ: أن من عليه جنابة ينتظر حتى يصل إلى الماء ثم يغتسل، ولكن عمار بن ياسر رضي الله عنه ذكر أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعثه هو وعمر في حاجة، وأن عمار بن ياسر أجنب فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ظناً منه رضي الله عنه أن طهارة التيمم كطهارة الماء، ومعلوم أن الجنب يجب عليه في طهارة الماء أن يعم بدنه فظن أن طهارة التراب كذلك، فتمرغ في التراب، ثم لما قدم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبره، «فأخبره النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه يكفيه أن يمسح وجهه ويديه»[(81)].

ثم قال عمار: يا أمير المؤمنين إن شئت أن لا أحدث به لِمَا أوجب الله عليّ من طاعتك فعلت؟ قال: لا، نوليك ما توليت؛ يعني: فحدث به، فجعل يحدث به، ثم إن الأمة أجمعت بعد ذلك على أن التيمم يكون في الجنابة ويكون في الحدث الأصغر.
لو قال قائل: هل الأولى لعادم الماء ألا يقرب زوجته لئلا يقع في الجنابة والحرج؟
الجواب: لعادم الماء أن يأتي أهله متى شاء ثم إذا لم يجد ماءً فليتيمم.
الفائدة الثالثة والثلاثون : الإشارة إلى أنه ينبغي لقاضي الحاجة أن يستتر حتى يتوارى عن الناس، وجهه قوله تعالى: {{مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ} } فإن هذا هو سنة الصحابة رضي الله عنهم في حياة نبيهم صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيكون هذا دليلاً على أن من هديهم الاستتار عن الأعين ولا شك أنه من كمال الأدب، أما البول، فليس من الأمور المذمومة أن يبول الإنسان أمام الناس إذا كان قد ستر عورته؛ لأنه فَعَلَهُ من هو أشد الناس حياءً محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حين أتى سُباطة قوم فبال فيها عليه الصلاة والسلام، قائماً وكان حذيفة رضي الله عنه حوله[(82)].
الفائدة الرابعة والثلاثون : حكمة الشرع في التطهير حيث كان الاقتصار على أربعة أعضاء في الحدث الأصغر؛ لأن هذه الأعضاء هي غالباً أدوات العمل وآلات العمل، فالبطش باليد، والمشي بالرجل، والبصر والشم والكلام في الوجه، والسمع والتخيل والتفكير في الرأس، فشرع تطهير هذه الأعضاء الأربعة.
أما في الجنابة فشرع للإنسان أن يطهر جميع بدنه؛ وذلك لأن الجنابة تخلخل البدن كله، ولهذا يضعف الإنسان إذا حصلت منه الجنابة، ويؤمر إذا أراد أن يعود أن يغتسل فإن لم يمكنه فليتوضأ، ويدل لهذا ـ أعني: أن الجنابة تؤثر على جميع البدن ـ أن الرجل إذا زنى وهو محصن فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت من أجل أن يذوق جميع بدنه ألم العقوبة كما ذاق لذة الشهوة المحرمة.
الفائدة الخامسة والثلاثون : التكنية عما يُستقبح ذكره لقوله: {{مِنْ الْغَائِطِ} } وقوله: { ٍ ٌ ً {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} }.
الفائدة السادسة والثلاثون : أن التيمم جائزٌ بجميع ما على الأرض سواء كان رملاً أم تراباً أم حجراً أم غير ذلك.
فإن قال قائل: ننازع في هذه الفائدة لقوله: {{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} } و{مِّن}: تقتضي التبعيض، ولا يمكن أن يَعْلَقَ شيءٌ باليد من الأرض إلا إذا كانت ترابيةً؟
قلنا: هذا الإيراد وارد بلا شك وهو دليل من يقول: إنه لا بد أن يكون التيمم بأرض فيها تراب، وأما التيمم على ما لا تراب فيه ولا غبار فيه فإنه لا يصح.

لكن الجواب على هذا الإيراد: هو أنه قد علم بالضرورة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسافر الأسفار الطويلة في أيام الشتاء وأيام الصيف، وفي أسفاره يمر بالرمال ويمر بالأرض الممطورة، ولم ينقل أنه كان يحمل التراب معه ولا أنه كان لا يتيمم على مثل هذه الأراضي، وبهذا اندفع هذا الاعتراض، وسبق أن قلنا في التفسير: إن { مِن } يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون للابتداء.
الفائدة السابعة والثلاثون : أنه لا بد أن يكون الصعيد الذي يتيمم منه طيباً وهو الطاهر، وضده النجس، ولكن ليس هناك صعيد يكون نجساً، بل لا بد أن يكون متنجساً والمتنجس كالنجس، وعلى هذا فلا يصح التيمم على أرض متنجسة لقوله تعالى: { {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} }.
الفائدة الثامنة والثلاثون : وجوب استيعاب الوجه بالمسح في التيمم، لقوله: {{بِوُجُوهِكُمْ} } ومن ثَمَّ يجب أن ننبه بعض العامة الذين إذا تيمموا مسحوا الأنف وما حوله وتركوا الباقي، فيقال: هذا لا شك أنه لا يجزئ؛ لأن الآية صريحة قال تعالى: {{بِوُجُوهِكُمْ} } أي: كلها.
الفائدة التاسعة والثلاثون : أن اليد عند الإطلاق لا يدخل فيها الذراع لقوله: {{إِلَى الْمَرَافِقِ} }.
الفائدة الأربعون : وجوب الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين، فيبدأ أولاً بالوجه ثم باليدين، وهل هذا الترتيب مطابق لترتيب الوضوء؟
الجواب: بلى فغسل اليدين بعد غسل الوجه، إذاً مطابق.
فإن قال قائل: «الواو» لا تقتضي الترتيب بل هي لمطلق الجمع؟
قلنا: لكن تقتضيه بالقرينة، القرينة هنا أن الله تعالى بدأ بالوجه وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أبدأ بما بدأ الله به» [(83)] فظاهر السنة الترتيب لكنه ليس قطعياً.
لكن لو قال قائل: ما الحكم إذا خالف التيمم الترتيب؟
الجواب: الفقهاء يقولون: إذا كان التيمم عن جنابة فلا بأس أن يخالف الترتيب في التيمم؛ لأن الغسل لا يشترط له الترتيب، والتيمم بدلاً عن الغسل، أما في الحدث الأصغر فلا بد من الترتيب، ولكن يقال: إن طهارة التيمم لا يمكن قياسها على طهارة الماء لوجود الفوارق الكثيرة بينهما، وإلحاق الفرع بالأصل لا بد أن يكون بينهما اتفاق يجمعهما.
الفائدة الحادية والأربعون: انتفاء الحرج في هذا الدين الإسلامي، لقوله: {{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} } أي: من مشقة، فالدين الإسلامي والحمد لله كله مبني على اليسر، وليس اليسر منوطاً بهوى كل إنسان؛ لأنه لو كان منوطاً بهوى كل إنسان لكان بعض الناس يشق عليه أن يقوم يصلي الفجر في الشتاء، ولكن المعنى أن كل ما شرعه الله فهو ميسر ليس فيه مشقة.
الفائدة الثانية والأربعون : إثبات الإرادة لله لقوله: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ} ... {وَلَكِنْ يُرِيدُ} }، فأثبت الله تعالى لنفسه الإرادة بنفي إرادة الحرج وإثبات إرادة التطهير.

الفائدة الثالثة والأربعون : إثبات الإرادة الشرعية لقوله: {{وَلَكِنْ يُرِيدُ} }.
الفائدة الرابعة والأربعون : رفع الحرج عن هذه الأمة تارةً يكون برفع المشروع بالكلية، وتارةً بتخفيفه، وتارةً بفعل بدله، فهذه ثلاثة أقسام: إما أن يرتفع التكليف بهذا الشيء الذي فيه الحرج بالكلية، وإما أن يخفف، وإما أن يجعل له بدل.
مثال الأول: كفارة القتل، إذا عجز الإنسان عن صيام شهرين متتابعين تسقط عنه، أي: ترفع عنه بالكلية.
مثال الثاني: القيام في الصلاة إذا عجز الإنسان عنها، يخفف فيصلي قاعداً إذا لم يستطع أن يصلي قائماً.
مثال الثالث: أن يكون إلى بدل، فالإنسان العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يلزمه أنه يصوم لكن عليه البدل وهو: إطعام مسكين عن كل يوم، فصار الأمر والحمد لله واسعاً، وبناءً على هذه القاعدة التي أخذناها من كلام ربنا عزّ وجل نقول: إن من عجز عن الكفارات أياً كانت الكفارة وقت الوجوب فإنها تسقط عنه، وأما قول بعض العلماء: إنه لا يسقط من الكفارات عند العجز إلا كفارة الجماع في الحيض، وكفارة الجماع في نهار رمضان فهذا الحصر لا دليل عليه.
والصواب: أن جميع الكفارات إذا كان حين وجوبها عاجزاً عنها فإنها تسقط، كما قلنا في الزكاة إذا كان فقيراً فإنه لا زكاة عليه، ولو اغتنى هل نقول: اقضِ عن السنوات التي مضت بعد التكليف؟ لا نقول بهذا.
الفائدة الخامسة والأربعون : سعة رحمة الله عزّ وجل حيث نفى الحرج عن عباده، ولكن لو سألنا سائل: أليس يوجد في بني إسرائيل شيء من الحرج في عباداتهم؟ قلنا: بلى، لكن ذلك بسببهم، هم الذين تسببوا في ذلك، قال تعالى: {{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا *}} [النساء: 160] ، إلى آخره.
الفائدة السادسة والأربعون : أن التيمم مطهر وليس بمبيح؛ لأن بعض أهل العلم رحمهم الله يرى أن التيمم يبيح ما كان محظوراً بدون الماء، يعني يبيح الصلاة بدون ماء؛ لأن الأصل أن الصلاة بدون ماء حرام، لكن إذا عدم الماء أو خيف الضرر باستعماله وتيمم أبيحت الصلاة.
فيرى بعض العلماء: أن طهارة التيمم استباحة لما كان محظوراً، وبناءً على هذا لو تيمم لقراءة القرآن، لم يصلِّ نافلة؛ لأن النافلة أعلى من قراءة القرآن، وإن شئت فقل: لأن وجوب الطهارة للنافلة أقوى من وجوب الطهارة لقراءة القرآن، بل الوضوء لقراءة القرآن سنة وليس بواجب، ومس المصحف هو الذي تجب له الطهارة، ولو نوى صلاة نافلة لم يصلِّ بذلك فرضاً؛ لأن الفرض أعلى من النفل، ولو خرج الوقت وهو على طهارته بطل تيممه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، وهذا الرجل لم يتيمم إلا للصلاة الحاضرة، والصلاة الحاضرة تنتهي بخروج وقتها، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن التيمم مطهر، ودلالة ذلك في كتاب الله وسنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، دلالته من كتاب الله قوله تعالى: {{وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} } فبعد أن ذكر الوضوء والغسل والتيمم، قال: {{وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} }.
وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» [(84)] والطهور بالفتح: ما تحصل به الطهارة، وعلى هذا فيكون التيمم مطهراً رافعاً للحدث، فإذا تيمم لقراءة القرآن يصلي به النافلة؛ لأنه تطهر، وإذا تيمم للنافلة يصلي به الفريضة، وإذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يصلي به الصلاة الأخرى، ما دام لم ينتقض وضوؤه وهلمَّ جرَّا.
وإذا تيمم عن الجنابة أول مرة كفاه فلا يتيمم بعد ذلك إلا عن الحدث الأصغر فقط؛ لأنه حين تيمم للجنابة تطهر منها وارتفعت الجنابة فلا حاجة إلى أن نقول: أعد التيمم للجنابة كلما دخل وقت الصلاة؛ لأن الله تعالى سمى ذلك تطهيراً، والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سمى الأرض طهوراً.
بقي أن يقال: هل إذا قلنا: إنه مطهر هل هو مطهر طهارة مقيدة بوجود الماء أو طهارة مطلقة بمعنى أنه لو وجد الماء فهو على طهارته فلا يجب عليه استعمال الماء؟
الجواب: الأول، وعلى هذا فإذا تيمم لجنابة ثم وجد الماء وجب عليه الغسل.
لو قيل: أليس قد طهر من الجنابة؟
الجواب: بلى، إذاً لماذا توجبون عليه الغسل وقد طهر من جنابته؟
نقول: لنا أدلة في هذا:
الدليل الأول: قصة الرجل الذي رآه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد صلاة الفجر أو إحدى الصلوات، فقال: «ما منعك أن تصلي؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» . ثم جاء الماء بعد ذلك فأمره أن يغتسل [(85)] مع أن الرجل تيمم وصلى فأمره أن يغتسل.
الدليل الثاني: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجد الماء فليتقِ الله وليمسه بشرته»[(86)].
إذاً: عندنا دليلان من السنة، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الإجماع منعقد على ذلك، يعني أن العلماء أجمعوا بأن من تيمم لعدم الماء ثم وجد الماء فلا بد أن يتطهر به، وكذلك إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فالصحيح أنه يقطع الصلاة لأن وجود الماء يبطل التيمم فيكون كالذي أحدث في أثناء الصلاة فيجب عليه أن يعيد الصلاة.
حينئذٍ تكون القاعدة بأنه مطهر فيها شيءٌ من الاستثناء، ولكن هذا الاستثناء دل عليه النص والإجماع، ومعلوم أننا لا نقدم على النص شيئاً؛ لأننا قلنا: إنه مطهر بالنص فإذا وجد الماء وقلنا: يلزمك استعماله فإنما قلنا ذلك بالنص، ونحن لا محيد لنا عما دل عليه الكتاب والسنة.
مثال ذلك: رجل تيمم لعدم الماء لصلاة الفجر وبقي إلى العشاء، أيعيد التيمم عند وقت كل صلاة؟ إن قلنا: لا، أخطأنا، وإن قلنا: نعم، أخطأنا، فالجواب ينبني على الخلاف، فإذا قلنا: إنه مطهر فلا يعيده ويصلي بتيمم الفجر صلاة العشاء، وإذا قلنا: إنه غير مطهر يعيد التيمم؛ أي: كلما خرج وقت الصلاة بطل التيمم، وعليه فإذا أراد أن يصلي الضحى بتيمم صلاة الفجر على القول بأنه مبيح لا رافع، لا بد أن يتيمم ثانية.
الفائدة السابعة والأربعون : أن الإنسان لو تيمم ولبس الخفين ثم وجد الماء فهل يمسح عليهما؟
الجواب: نقول: التيمم لا يتعلق به طهارة؛ لأن القدم ليس لها دخل في التيمم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للمغيرة رضي الله عنه: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» [(87)] فدل هذا على أنه لا يمسح الخف إلا في طهارة تشمل القدمين، وعلى هذا إذا كان الإنسان في البر وليس عنده ماء ولبس الخفين على غير طهارة، وجاء وقت الصلاة وتيمم، لا نقول: اخلع الخفين؛ لأن القدم لا تتعلق بها طهارة التيمم، إذاً يبقى لابساً للخفين ولو يبقى عشر سنوات وطهارته تيمم فإنه لا حرج عليه.
الفائدة الثامنة والأربعون : إثبات الحكمة في شرع الله، وجه ذلك التعليل في قوله تعالى: {{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} } وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة من وجوه لا تحصى، أن الله سبحانه وتعالى حكيم في كل ما يخلق وفي كل ما يشرع.
الفائدة التاسعة والأربعون : وهي متفرعة عن الفائدة السابقة الاستسلام لقضاء الله الشرعي والكوني، فما دمت تعتقد أن هذا الحكم مبني على حكمة فسوف تستسلم، وتقول: ما دام لحكمة فإننا راضون، وكذلك لحكم الله الكوني، إذا أراد الله الجدب، أو أراد الله الفقر والمرض وكثرة الموت، فإننا نعلم أن هذا لحكمة ليس عبثاً ولا لمجرد المشيئة، بل هو لحكمة، وحينئذٍ نستسلم للقضاء الكوني والقضاء الشرعي.
لكن من أهل البدع من نفى الحكمة، وقال: إن الله تعالى لا يفعل لحكمة ولا يشرع لحكمة إنما هي مجرد مشيئة، ويأتي بشبهات منها حديث عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك (يعني: الحيض) فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» [(88)]، ولكن يقال: إن الأمر الشرعي عند المؤمنين هو حكمة، يعني مجرد أن أعرف أن الله شرعه أنا أؤمن بأنه لحكمة، فعائشة رضي الله عنها فوضت الحكمة إلى الله عزّ وجل؛ لأن هذا هو ما يؤمرون به وكفى بذلك حكمة.
الفائدة الخمسون : أن الطهارة بأقسامها الثلاثة: الغسل والوضوء والتيمم نعمة من الله عزّ وجل على العباد، لقوله: {{وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} }، ولا شك أنها نعمة ومن رأى فضائل الوضوء وما يكفر من الذنوب، عرف نعمة الله عزّ وجل بهذا وكذلك الغسل من الجنابة ولاسيما في أيام الشتاء وأيام المشقة.
لو قال قائل: جماعة مشتركون في ماء، والماء لا يكفي أن يتطهر به الجميع فماذا يصنعون؟
الجواب: إن آثر أحدهما الآخر قلنا: الإيثار بالواجب لا يجوز، فلم يبقَ علينا إلا القرعة.
لو قال قائل: رجل عنده ماء قليل، كنصف قارورة صغيرة، وهذا الماء لا يكفي إلا لغسل وجهه ويديه فماذا يصنع؟
الجواب: إذا كان لا يكفي إلا غسل وجهه ويديه يستعمله ويتيمم عن الباقي.
فلو قيل: ذكرتم فيما سبق أنه لا يُجمع بين الطهارتين؟
فالجواب: نقول: لا يجمع بين طهارتين كاملتين، يعني أن الإنسان يتوضأ وضوءاً كاملاً ويتيمم، أما إذا لم يجد إلا بعض الماء، فقد قال الله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» [(89)] وقد أمرنا بالوضوء ولم نستطع إلا بعضه، وإذا قلنا: لا بد من الغبار فلا بد أن ينشف يديه قبل أن يتيمم، وإذا قلنا: ليس بشرط فلا بأس.
الفائدة الحادية والخمسون: أن الشكر هو العمل الصالح، لقوله تعالى: {{تَشْكُرُونَ}}.
فلو قال قائل: ما هو الشكر؟ نقول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم بَيَّنَهُ في قوله: «إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ}} [البقرة: 172] ، وقال: {{يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}} [المؤمنون: 51] »[(90)].
إذاً: فشكر الله هو العمل الصالح، ولا شك أن تفسير كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم وكلام الله عزّ وجل بعضه ببعض أولى من أن نلتمس تفسيرات أخرى، لكن ذكرنا فيما سبق أن الشكر محله القلب واللسان والجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، وأما الحمد فإنه يكون في مقابلة نعمة أو على كمال صفة المحمود ويكون بالجوارح واللسان.




 


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأوقات المنهي عن الصلاة فيها - الاوقات التي يمنع الصلاة فيها admin ثقافة اسلامية 0 03-29-2014 10:01 PM
تفسير سورة الفاتحة - تفسير الإمام القرطبي admin تفسير القران الكريم 1 12-24-2013 12:14 AM
تفسير الفاتحة ابن عاشور - تفسير سورة الحمد تفسير التحرير والتنوير ابن عاشور admin تفسير القران الكريم 0 08-16-2013 11:02 PM
تفسير الفاتحة الطبري - تفسير سورة الحمد تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري admin تفسير القران الكريم 0 07-15-2013 07:30 PM
تفسير سورة الفاتحة وفضلها - تفسير الإمام البغوي admin تفسير القران الكريم 1 07-13-2013 06:55 PM

Bookmark and Share


Loading...

أقسام المنتدى

المنتدى الإسلامي Islamic Forum | علوم القران الكريم Quran sciences | تفسير القران الكريم | علوم الحديث | ثقافة اسلامية | منتدى اللغة العربية والآداب | الشعر | قصص أدبية | الحكم والأمثال | منتدى العلوم | العلوم الحياتية | الأحياء الدقيقة | العلوم الطبيعية | المنتدى العام | منتدى الثقافة العامة | منتدى التكنلوجيا | المنتدى الصحي | الصحة العامة | الغذاء والصحة - الطب البديل - العلاج بالاعشاب والغذاء | صحة الطفل | منتدى المعلم | خطط وتحليل محتوى التربية الإسلامية | خطط و تحليل محتوى للمواد العلمية | منتدى الطلاب | منتدى امتحانات الطلاب | القسم الإداري | قسم التواصل معنا | منتدى التصاميم | منتدى جوجل وتعزيز المواقع | قسم الإقتراحات | قسم الأبحاث الطلابية | الثانوية العامة التوجيهي | اهتمامات المعلم | خطط وتحليل محتوى اللغة العربية | منتديات الترفيه | صور كاريكاتير | صور فنية - نادرة - غريبة | أخبار غريبة - أخبار ساخنة - شيقة - أخبار جديدة وحصرية | خواطر وحوارات أعضاء المنتديات | أناشيد إسلامية | سؤال وجواب - سين - جيم Questions and Answers | منتدى التدريب و التطوير | أسئلة وأجوبة لمواد التوجيهي | منتدى التكنولوجيا الحديثة | خطط وتحليل محتوى اللغة الإنجليزية | خطط وتحليل محتوى لمادة الحاسوب | خطط وتحليل محتوى لمواد الإجتماعيات | خطط وتحليل محتوى التربية المهنية والفنية والرياضية والثقافة المالية | تجارب في علم الأحياء الدقيقة | منتدى الإعلانات التعلمية والتدريسية المجانية | منتدى الكليبات العلمية | منتدى الأمراض وعلاجها | منتديات البيت العربي | منتديات المرأة العربية | منتديات الرجل العربي | أخبار التعليم في الوطن العربي | منتدى المطبخ العربي | مستلزمات البيت العربي | منتدى الأدعية والمأثورات | أسئلة واجوبة اجتماعيات | English Forum | شخصيات إسلامية | شخصيات وأعلام | أخبار التعليم في دول الخليج العربي | أخبار التعليم في دول بلاد الشام | أخبار التعليم في مصر والمغرب العربي | استايلات vBulletin | السياحة والسفر | Scientific forum | Health forum | Technology | تجارب فسيولوجيا النبات | تجارب في فسيولوجيا الإنسان والحيوان | تقنيات نباتية وحيوانية | أسئلة وأجوبة رياضيات | اسئلة واجوبة فيزياء | اسئلة واجوبة كيمياء وعلوم أرض | أسئلة وأجوبة أحياء وثقافة عامة | أسئلة وأجوبة عربي - لغة عربية | أسئلة وأجوبة دين وعلوم اسلامية | اسئلة واجوبة حاسوب | الخدمات العامة | أسئلة واجوبة انجليزي | رسائل جوال SMS | منتدى الإتصالات والهواتف الذكية | منتدى الطرائف والنوادر | أسئلة امتحانات عربي للمراحل الأساسية | أسئلة امتحانات مواد علمية للمراحل الأساسية | أسئلة امتحانات حاسوب للمراحل الأساسية | أسئلة امتحانات انجليزي للمراحل الأساسية | أسئلة امتحانات اجتماعيات ومهني للمراحل الأساسية | أبحاث جامعية | أبحاث لطلاب المدارس في التخصصات العلمية | أبحاث لطلاب المدارس في التخصصات الأدبية | الأدوية والمستحضرات الصيدلانية | المضادات الحيوية | المسكنات ومضادات الألم ومخفضات الحرارة | أدوية الدم والقلب والأوعية الدموية | أدوية الأنف والأذن والحنجرة وأدوية الجهاز التنفسي | خطط منوعة - تخصصات مختلفة | قسم رياض الأطفال | صور حيوانات | صور نباتات | قصص شعبية | قصص خيالية | قصص واقعية | قصص اسلامية | صور غلافات المواقع الاجتماعيه | سؤال وجواب في الطب والغذاء | أسئلة وأجوبة في العلوم والرياضيات Questions and Answers in science and math | أسئلة وأجوبة في التاريخ والجغرافيا Questions and Answers in geography and history | أسئلة وأجوبة دينية Questions and Answers in relision | أسئلة وأجوبة في اللغة العربية واللغات الأخرى Questions and Answers in languages | أسئلة وأجوبة في الرياضة Questions and Answers in sports | تحضير دروس يومي لجميع المواد | قسم أوراق العمل لجميع المواد | الربح والكسب من الانترنت - تجارة الفوريكس | قسم نتائج التوجيهي - نتائج الثانوية العامة | منتدى الستالايت العام | تدريس - تعليم - تدريب ودورات تدريبية | أرشيف صور أعضاء فيسبوك facebook pictures - جوجل+ بلس Google+ | صور فيسبوك الدين الاسلامي islamic pictures of facebook, google+ and twitter | صور فيسبوك وتويتر وجوجل+ مضحكة Funny facebook and google plus, twitter- تعليقات فيسبوكcomments | صور فيسبوك خواطر أشجان Good saying from facebook, twitter and google+ | صور شخصيات فيسبوك وتويتر وجوجل+Facebook, twitter and Google plus famous photos | صور مشاركات أعضاء فيسبوك أعجبتني Facebook, twitter and google plus pictures I liked | طلاب الشامل - أخبار ونماذج من أسئلة السنوات السابقة لامتحان الشهادة الجامعية المتوسطة | منتدى اللغة العربية العام | قسم امتحانات تيميس وبيسا timss and PISA | الصوفية فى القرآن والسنة | Money and Business Forum | General English articles | أسئلة وأجوبة عامة | أسئلة وأجوبة أحداث وتواريخ | أسعار الاعلان في المنتدى | قسم التربية الخاصة وعلم النفس | خطط وتحليل محتوى الرياضيات - الفصل الأول والثاني | خطط وتحليل محتوى فيزياء - الفصل الأول والثاني | خطط وتحليل محتوى الكيمياء- الفصل الأول والثاني | خطط وتحليل محتوى العلوم الحياتية - الفصل الأول والثاني | خطط وتحليل محتوى علوم الأرض- الفصل الأول والثاني | أسئلة امتحانات التربية الاسلامية للصفوف الأساسية | قسم الاعلانات التجارية |



Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
.:: تركيب وتطوير مؤسسة نظام العرب ::.
خاص بمنتديات التفوق - يرجى ذكر المصدر عند الإقتباس
This Forum used Arshfny Mod by islam servant