التفسير وعلوم القرآنالدين الإسلامي

أسباب نزول آيات الإستهزاء بالدين والمؤمنيين وعقوبة ذلك

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد،،
يقول تعالى { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : قال رجل من المنافقين : ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً ، وأكذبنا ألسنة ، وأجبننا عن اللقاء ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ارتحل وركب ناقته فقال : يا رسول الله ؛ إنما كنا نخوض ونلعب فقال { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } إلى قوله { مجرمين} . وإن رجليه لتنسفان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بنسعة رسول الله صلى الله عليه وسلم . (أسباب النزول للواحدي 250 ) .
وقال قتادة : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وبين يديه ناس من المنافقين إذ قالوا : أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات له ذلك !! فأطلع الله نبيه على ذلك ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ” احبسوا علىَّ الركب ” فأتاهم فقال : ” قلتم كذا وكذا ” ، فقالوا يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (تفسير الطبري 10/172).
وذكر ابن كثير في سبب نزول قوله تعالى : ( وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي بسند صحيح من حديث أنس صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من أصحابه إلى رأس من رؤوس المشركين يدعوه إلى الله ، فقال : هذا الإله الذي تدعو إليه أمِنْ فضة هو أم من نحاس؟. فتعاظم مقالته في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال :” ارجع إليه فادعه إلى الله “. فرجع فقال له مثل مقالته، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال:” ارجع إليه فادعه إلى الله ، وأرسَلَ الله عليه صاعقة “، فرجع فقال له مثل مقالته ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال :” ارجع إليه فادعه إلى الله”. ورسول الله في الطريق لا يعلم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن الله قد أهلك صاحبه ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ}.
قال تعالى { ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً}. قال العلماء: إن الاستهزاء بآيات الله وشرعه من أشد أنواع التكذيب . (تفسير ابن كثير 5/168 ) .
ويقول ابن قدامة المقدسي رحمه الله : ( من سب الله تعالى كفر سواء مازحاً أو جاداً ، وكذلك من أستهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله ) . (المغني : كتاب المرتد 12/298 ، 299 ) .
وقال النووي رحمه الله : ( والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن عمد واستهزاء بالدين صريح ) . (روضة الطالبين / كتاب الردة 10/64 .)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم كفر ، يكفر به صاحبه بعد إيمانه) . (مجموع الفتاوي 7/273) .
وقال القاضي عياض : ( وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه وأهمل لسانه بما يقتضي الاستخاف بعظمة ربه وجلالة مولاه ، أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ما عظم الله من ملكوته ، أو نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ، ولا عامد للإلحاد ، فإن تكرر هذا منه، وعرف به ، دل على تلاعبه بدينه ، واستخفافه بحرمة ربه ، وجهله بعظيم عزته وكبريائه ، وهذا كفر لا مرية فيه… وأما من صدرت عنه من ذلك الهنة الواحدة والفلتة الشاردة ، ما لم تكن تنقصاً وإزراء فيعاقب عليها ويؤدب بقدر مقتضاها وشنعة معناها ، وصورة حال قائلها ، وشرح سببها ومقارنها ) . ( الشفا 403 ـ 404) .
إن أمة تسمح للسفهاء بالتطاول على دينها ، وإن أمة تسكت عمن يستهزئ بثوابتها ، وإن تغض الطرف عمن يسخر من عقيدتها، لهي أمة لاهية عاجزة ، قد تودع منها ولا تستحق العيش بكرامة ، بل إنها بسكوتها وخنوعها عن المستهزئين تستمطر غضب الله وتستنزل عقوبته ، قال تعالى { وَحَاقَ بِهِمْ ما كاَنُوا بهِ يَسْتَهزءُونَ} .
وقد أجمع العلماء ووافقهم العقلاء على أنه لا يعيب الإسلام، ولا ينتقص الملة ، ولا ينال من الشريعة ، ولا يستهزئ بالأمر والنهي من في قلبه إيمان.قال تعالى { قُلْ أَبالله وآياته وَرَسُولهِ كُنْتُمْ تَسْتَهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم }.
قبل ستة أيام نشرت إحدى الصحف رسماً كاريكاتيرياً يصور رجل وامرأته وهما يشاهدان التلفاز فيمر خبر يقول ( بركان في أعماق المحيط ) فيعلق الرجل قائلاً بتعجب (هذي آخرة معاصي الأسماك!) . (جريدة الوطن الأحد 7 جمادى الآخرة 1430 الموافق 31 مايو 2009 العدد 3166) .
ليس المقصود من هذا التعليق النكتة أو الطرفة ، بل هو استهزاء بما تقرر من آيات الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبما قرره أهل العلم أن سبب حدوث الزلازل والبراكين وسبب الكوارث والبلايا إنما هو بذنوب العباد ، قال تعالى { وما أصابك من سيئة فمن نفسك} .
فهذا الرسم الكاريكاتوري استهزاء بقوله تعالى { أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } ، وسخرية بقول النبي صلى الله عليه وسلم:” ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة “.
وكل هذا يتم باسم حرية الرأي . فباسم حرية الرأي ينالون من الذات المقدسة ، وباسم حرية الرأي يسخرون من خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، وباسم حرية الرأي يهاجمون الخير والطهر والعفة والصلاح في المجتمع ، وباسم حرية الرأي ينالون من العلماء والدعاة ويسخرون منهم بأنهم يحملون مفاتيح الجنة يدخلون من يشاؤون ويخرجون منها من يشاؤون ، وباسم حرية الرأي يشوهون حلقات تحفيظ القرآن ومكاتب توعية الجاليات والجمعيات الخيرية والمخيمات الصيفية ، ولو هوجم النبي صلى الله عليه وسلم سكتوا، وكأن ثمة مخطط مدروس يتبادلون فيه الأدوار ويتناوبون على مهاجمة ثغور الإسلام والملة .
امتلأت قلوبهم غيظاً على الخير وأهله وعلى العلماء والدعاة ، وعلى الطهر والعفاف ، حالهم كحال قوم لوط عليه السلام { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}.
لا يطعن في الدين مؤمن ، ولا يستهزأ بالملة مؤمن ، ولا يسخر من الشريعة مؤمن ، قال تعالى { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون}.يقول ابن تيمية رحمه الله : ( من اعتقد الوحدانية والألوهية لله والرسالة لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام، بل قارنه بالاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول والفعل كان ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجبا لفساد ذلك الاعتقاد ومزيلا لما فيه من المنفعة والصلاح ) .
ولشناعة فعلهم فقد سماهم الله في كتابه (مجرمين) فقال { إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا أنقلبوا إلى أهلهم أنقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين } . قال ابن كثير رحمه الله وهذه أيضاً من صفات المنافقين ، ألا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال) . (تفسير القرآن العظيم 4/125).
البعض يستهزئ باللحية فيقول: لو كان في اللحية خير ما نبتت في الفَرْج!.
وآخر ينال من الحسبة ورجالها فيقول : باسم الدين يوقفون سيارتك ويطلبون منك أن تثبت أن زوجتك هي زوجتك!. وباسم الدين يستجوبون المرأة عن أسم آخر أبنائها وعن شكل غرفة نومها ، ولون حمامها وماركة ( الكلينكس ) الذي تستخدمه لإثبات أنها زوجتك . ثم يلفظ أنفاس حقده بقوله : واحد لحيته مثل التيس أوقفني وقال: لماذا تتحدث عن رجال الدّين. (جريدة السياسة بتاريخ الخميس 28/11/1991 م).
وقال آخر مستهزئاً بحديث رسول الله وبالإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة : ( حدثنا الشيخ إمام عن صالح بن عبد الحي عن سيد ابن درويش عن أبيه، عن جده قال: يأتي على هذه البلاد زمان إذا رأيتم فيه أن الفن أصبح جثة هامدة فلا تلوموه ولا تعذلوا أهله بل لوموا أنفسكم قالها وهو ينتحب فتغمده الله برحمته وغفر له ذنوبه ). (مجلة الشرق عدد362) .
وآخر معروف بدفاعه عن أم جميل زوجة أبي لهب التي نزل فيها قوله تعالى {تبت يدا أبي لهب * وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد}يقول : ( والنساء سواسية منذ تبت ، وحتى ظهور القناع تشترى لتباع ، وتباع ، وثانية تشترى لتباع ) . (جريدة الأهرام بتاريخ 12/10/1412 هـ . 15/4/1992 م) .
ألا يعلم هؤلاء أن الاستهزاء بالدين وبالأنبياء وبشعائر الإسلام كفر مخرج من الملة ؟.
هل بلغ تقديس وتعظيم حرية الرأي عندهم أن يتجاوزوا بها حدود الله ولو أدى ذلك بهم إلى الكفر المخرج من الاسلام ؟.
إن المستهزئ بالدين والرسل يناله – فوق ما ذكر – خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة.قال الله تعالى { إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين * كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز}.
فقوم نوح عليه السلام لما سخروا منه أغرقهم الله ، قال تعالى {فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين } .
وقوم هود عليه السلام سخروا منه وكذبوه ، فأنجاه الله وأهلكهم قال تعالى {ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا امر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عاداً كفروا ربهم ألا بعداً لعاد قوم هود } .
ولما سخر قوم صالح من نبيهم عليه السلام ، أهلكهم الله عز وجل، قال تعالى { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } .
وقوم شعيب سخروا منه وقالوا له { يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد } فأهلكهم الله ونجاه { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين }
وقوم موسى كذبوه وسخروا منه وأستهزأوا به فنجاه الله ومن معه وأهلك أعداءه قال تعالى {فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فأنفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين } .
وأهلك عز وجل من استهزأوا بنبيه صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( والقصة في إهلاك الله واحداً واحداً من هؤلاء المستهزئين معروفة ، فقد ذكرها أهل السير والتفاسير ، وهم على ما قيل : نفر من رؤوس قريش مثل : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسودان ابن عبد المطلب ، وابن عبد يغوث ، والحارث بن قيس … وكسرى مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهزأ به فقتله الله بعد قليل ؛ ومزق ملكه كل ممزق ، ولم يبق للأكاسرة ملك ، وهذا والله أعلم تحقيق لقوله تعالى { إن شانئك هو الأبتر}. فكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره ) . (الصارم المسلول 164 ، 165) .
ولذا فإن من أوجب الواجبات إنكار ما جرى ، ومناصحة هؤلاء بالكتابة والمناصحة المباشرة ، وبالرفع إلى المفتي وإلى ولاة الأمر ، ومن لم يستطع الإنكار فإن الواجب عليه أن يعرض عنهم ، قال تعالى {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شي ولكن ذكرى لعلهم يتقون * وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تُبسلَ نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع}.
وحذر تعالى من يجالس هؤلاء الهازلين الساخرين فقال { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً } .
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله : ( الاستهزاء بالإسلام أو بشيء منه كفر أكبر …… ومن يستهزئ بأهل الدين والمحافظين على الصلوات من أجل دينهم ومحافظتهم عليه ، يعتبر مستهزئاً بالدين ، فلا تجوز مجالسته ، ولا مصاحبته بل يجب الإنكار عليه ، والتحذير منه ، ومن صحبته ، وهكذا من يخوض في مسائل الدين بالسخرية والاستهزاء يعتبر كافراً)
الوسوم

مقالات ذات صلة

Flag Counter
إغلاق