التفسير وعلوم القرآنالدين الإسلامي

تفسير سورة الفاتحة للماوردي

تفسير سورة الحمد للماوردي

( الفاتحة : ( 2 – 3 ) الحمد لله رب . . . . .
” الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ” ( قوله عز وجل : ) الحَمْدُ لِلِّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( .
أما ) الحمد لله ( فهو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله ، والشكرُ الثناء عليه بإنعامه ، فكلُّ شكرٍ حمدٌ ، وليسَ كلُّ حمدٍ شكراً ، فهذا فرقُ ما بين الحمد والشكر ، ولذلك جاز أن يَحْمِدَ الله تعالى نفسه ، ولم يَجُزْ أن يشكرها .
فأما الفرق بين الحمد والمدح ، فهو أن الحمد لا يستحق إلا على فعلٍ حسن ، والمدح قد يكون على فعل وغير فعل ، فكلُّ حمدٍ مدحٌ وليْسَ كل مدحٍ حمداً ، ولهذا جاز أن يمدح الله تعالى على صفته ، بأنه عالم قادر ، ولم يجز أن يحمد به ، لأن العلم والقدرة من صفات ذاته ، لا من صفات أفعاله ، ويجوز أن يمدح ويحمد على صفته ، بأنه خالق رازق لأن الخلق والرزق من صفات فعله لا من صفات ذاته .
وأما قوله : ) رب ( فقد اختُلف في اشتقاقه على أربعة أقاويل :
أحدها : أنه مشتق من المالك ، كما يقال رب الدار أي مالكها .
والثاني : أنه مشتق من السيد ، لأن السيد يسمى ربّاً قال تعالى : ) أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً ( ” [ يوسف : 41 ] يعني سيده .
والقول الثالث : أن الرب المدَبِّر ، ومنه قول الله عزَّ وجلَّ : ) وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ ( وهم العلماء ، سموا ربَّانيِّين ، لقيامهم بتدبير الناس بعلمهم ، وقيل : ربَّهُ البيت ، لأنها تدبره .
والقول الرابع : الرب مشتق من التربية ، ومنه قوله تعالى : ) وَرَبَآئِبُكُمُ اللاَّتِي في حُجُورِكُمْ ( ” [ النساء : 23 ] فسمي ولد الزوجة ربيبة ، لتربية الزوج لها .
فعلى هذا ، أن صفة الله تعالى بأنه رب ، لأنه مالك أو سيد ، فذلك صفة من صفات ذاته ، وإن قيل لأنه مدبِّر لخلقه ، ومُربِّيهم ، فذلك صفة من صفات فعله ، ومتى أدْخَلت عليه الألف واللام . اختص الله تعالى به ، دون عباده ، وإن حذفتا منه ، صار مشتركاً بين الله وبين عباده .
وأما قوله : ) العالمين ( فهو جمع عَالم ، لا واحد له من لفظه ، مثل : رهط وقوم ، وأهلُ كلِّ زمانٍ عَالَمٌ قال العجاج :فَخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا الْعَالَمِ
واختُلِف في العالم ، على ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنّه ما يعقِل : من الملائكة ، والإنس ، والجنِّ ، وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أن العالم الدنيا وما فيها .
والثالث : أن العالم كل ما خلقه الله تعالى في الدنيا والآخرة ، وهذا قول أبي إسحاق الزجَّاج .
واختلفوا في اشتقاقه على وجهين :
أحدهما : أنه مشتق من العلم ، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسماً لما يعقل .
والثاني : أنه مشتق من العلامة ، لأنه دلالة على خالقه ، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسماً لكُلِّ مخلوقٍ .

( الفاتحة : ( 4 ) مالك يوم الدين

” مالك يوم الدين ” ( قوله تعالى : ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( قرأ عاصم والكسائي ) مالِكِ ( وقرأ الباقون ) مَلِك ( وفيما اشتقا جميعاً منه وجهان :

أحدهما : أن اشتقاقهما من الشدة ، من قولهم ملكت العجين ، إذا عجنته بشدة .
والثاني : أن اشتقاقهما من القدرة ، قال الشاعر :
مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا
يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا
والفرق بين المالك والملك من وجهين :
أحدهما : أن المالك مَنْ كان خاصَّ المُلكِ ، والملِك مَنْ كان عَامَّ المُلْك .
والثاني : أن المالك من اختص بملك الملوك ، والملك من اختص بنفوذ الأمر .
واختلفوا أيهما أبلغ في المدح ، على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المَلِك أبلغ في المدح من المالك ، لأنَّ كلَّ مَلِكٍ مالِكٌ ، وليسَ كلُّ مالِكٍ ملِكاً ، ولأن أمر الملِكِ نافذ على المالِكِ .
والثاني : أن مالك أبلغ في المدح من مَلِك ، لأنه قد يكون ملكاً على من لا يملك ، كما يقال ملك العرب ، وملك الروم ، وإن كان لا يملكهم ، ولا يكون مالكاً إلا على من يملك ، ولأن المَلِك يكون على الناس وغيرهم .
والثالث : وهو قول أبي حاتم ، أن مَالِك أبلغ في مدح الخالق من مَلِك ، ومَلِك أبلغ من مدح المخلوق من مالك .
والفرق بينهما ، أن المالك من المخلوقين ، قد يكون غير ملك ، وإن كان الله تعالى مالكاً كان ملكاً ، فإن وُصف الله تعالى بأنه ملك ، كان ذلك من صفات ذاته ، وإن وصف بأنه مالك ، كان من صفات أفعاله .
وأما قوله تعالى : ) يَوْمِ الدِّينِ ( ففيه تأويلان :
أحدهما : أنه الجزاء .
والثاني : أنه الحساب .

وفي أصل الدين في اللغة قولان :

أحدهما : العادة ، ومنه قول المثقَّب العَبْدِي :
تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي أَهذَا دِينُهُ أَبَداً وَدينِي
أي عادته وعادتي .
والثاني : أنَّ أصل الدين الطاعة ، ومنه قول زهير بن أبي سُلمى :
لَئِن حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بَنِي أَسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وَمَالتْ بَيْنَنَا فَدَكُ
أي في طاعة عمرو .
وفي هذا اليوم قولان :
أحدهما : أنه يوم ، ابتداؤه طلوع الفجر ، وانتهاؤه غروب الشمس .
والثاني : أنه ضياء ، يستديم إلى أن يحاسب الله تعالى جميع خلقه ، فيستقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار .
وفي اختصاصه بملك يوم الدين تأويلان :
أحدهما : أنه يوم ليس فيه ملك سواه ، فكان أعظم من مُلك الدنيا التي تملكها الملوك ، وهذا قوله الأصم .
والثاني : أنه لما قال : ) رَبِّ الْعَالَمِينَ ( ، يريد به ملك الدنيا ، قال بعده : ) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( يريد به ملك الآخرة ، ليجمع بين ملك الدنيا والآخرة .

( الفاتحة : ( 5 ) إياك نعبد وإياك . . . . .
” إياك نعبد وإياك نستعين ” ( قوله عز وجل : ) إِيَاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (
قوله : ) إِيَّاكَ ( هو كناية عن اسم الله تعالى ، وفيه قولان :
أحدهما : أن اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف ، وهذا قول الخليل .
والثاني : أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى ، وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف ، وهذا قول الأخفش .
وقوله : ) نَعْبُدُ ( فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن العبادة الخضوع ، ولا يستحقها إلا الله تعالى ، لأنها أعلى مراتب الخضوع ، فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم ، كالحياة والعقل والسمع والبصر .
والثاني : أن العبادة الطاعة .
والثالث : أنها التقرب بالطاعة .
والأول أظهرها ، لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام ، ولم تطعه بالعبادة ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) مطاع ، وليس بمعبودٍ بالطاعة .

 

( الفاتحة : ( 6 – 7 ) اهدنا الصراط المستقيم
” اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ” ( قوله عز وجل : ) اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم ( إلى آخرها .
أما قوله : ) اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ( ففيه تأويلان :
أحدهما : معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا .
والثاني : معناه وفقنا ، وهذا قول ابن عباس .
وأما الصراط ففيه تأويلان :
أحدهما : أنه السبيل المستقيم ، ومنه قول جرير :
أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطٍ
إذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيم
والثاني : أنه الطريق الواضح ومنه قوله تعالى : ) وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُون ( ” [ الأعراف : 86 ] وقال الشاعر :

فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ
وهو مشتق من مُسْتَرَطِ الطعام ، وهو ممره في الحلق .
وفي الدعاء بهذه الهداية ، ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنهم دعوا باستدامة الهداية ، وإن كانوا قد هُدُوا .
والثاني : معناه زدنا هدايةً

والثالث : أنهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة ، ورجاءً لثواب الدعاء . واختلفوا في المراد بالصراط المستقيم ، على أربعة أقاويل :
أحدها : أنه كتاب الله تعالى ، وهو قول علي وعبد الله ، ويُرْوَى نحوه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) .
والثاني : أنه الإسلام ، وهو قول جابر بن عبد الله ، ومحمد بن الحنفية .
والثالث : أنه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى ، الذي لا عوج فيه ، وهو قول ابن عباس .
والرابع : هو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأخيار أهل بيته وأصحابه ، وهو قول الحسن البصري وأبي العالية الرياحي .

وفي قوله تعالى : ) الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ ( خمسة أقاويل : أحدها : أنهم الملائكة .
والثاني : أنهم الأنبياء .

والثالث : أنهم المؤمنون بالكتب السالفة .
والرابع : أنهم المسلمون وهو قول وكيع .
والخامس : هم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومَنْ معه مِنْ أصحابه ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد .
وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير : ( صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( وأما قوله : ) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ( فقد روى عن عديِّ بن حاتم قال : سألتُ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، عن المغضوب عليهم ، فقال : ( هُمُ اليَهُود ) وعن الضالين فقال : ( هُمُ النَّصارى ) .

وهو قول جميع المفسرين .
وفي غضب الله عليهم ، أربعة أقاويل :
أحدها : الغضب المعروف من العباد .
والثاني : أنه إرادة الانتقام ، لأن أصل الغضب في اللغة هو الغلظة ، وهذه الصفة لا تجوز على الله تعالى .
والثالث : أن غضبه عليهم هو ذَمُّهُ لهم .
والرابع : أنه نوع من العقوبة سُمِّيَ غضباً ، كما سُمِّيَتْ نِعَمُهُ رَحْمَةً .
والضلال ضد الهدى ، وخصّ الله تعالى اليهود بالغضب ، لأنهم أشد عداوة .
وقرأ عمر بن الخطاب ( غَيْرِ الْمغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّآلِّين ) .

الوسوم

مقالات ذات صلة

Flag Counter
إغلاق