الدين الإسلاميثقافة وفقه إسلامي

حكم رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الرضاعة وما يحرم بها، وما لا يحرم – الجزء الأول

موضوع الرضاعة وحكم رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الرضاعة وما يحرم بها، وما لا يحرم، وحُكمه في القَدْرِ المحرِّم منها وحُكمه في إرضاع الكبير، هل له تأثير، أم لا؟

أولاٍ ما يحرم بالرضاعة وقدره

ثبت في الصحيحين: من حديث عائشة رضي اللَّه عنها، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ الولاَدَة ).وثبت فيهما: من حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أُريد على ابنة حمزَة، فقال: ( إِنَّهَا لا تَحِلُّ لي، إنَّهَا ابنةُ أخي مِن الرَّضاَعَةِ وَيَحْرُمُ مِن الرَّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ من الرَّحِم ).وثبت فيهما: أنه قال لعائشة رضي اللَّه عنها: ( ائذَني لأَفْلَحَ أخي أبي القُعَيْسِ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ ) وكانَت امرأَتُه أرضعت عائشةَ رضي اللَّه عنها.وبهذا أجاب ابنُ عباس لما سئل عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما جاريةً، والأخرى غُلاماً: أَيحِلُّ للغلام أن يتزوجَ الجارية؟ قال: لا اللِّقَاحُ واحِدُ.

وثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي اللَّه عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ ).
وفي رواية: ( لاَ تُحَرِّمُ الإملاجَةُ والإملاجَتَانِ ).
وفي لفظ له: أن رجلاً قال: يا رسولَ اللَّه هل تحرِّم الرضعةُ الواحِدَةُ؟ قال: لا.
وثبت في صحيحه أيضاً: عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: كَانَ فيما نَزَلَ مِنَ القُرآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثم نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فتوفي رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهُنَّ فيما يقرأ مِن القرآن.
وثبت في الصحيحين: من حديث عائشة رضي اللَّه عنها، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّمَا الرَّضَاعَةُ من المَجَاعَة ).وثبت في جامع الترمذي: من حديث أم سلمة رضي اللَّه عنها، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إلا ما فَتَقَ الأمْعَاء في الثَّدْي وكَانَ قَبْل الفِطَام )، وقال الترمذي: حديث صحيح.
وفي سنن الدارقطني بإسناد صحيح، عن ابن عباسٍ يرفعه: ( لا رضاع إلا ما كان في الحولين ).
وفي سنن أبي داود: من حديث ابن مسعود يرفعه: ( لا يحرم مِن الرضَاع إلا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَرَ العَظْمَ ).
وثبت في صحيح مسلم: عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: جاءت سَهْلَة بنتُ سُهَيْل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول اللَّه، إني أرَى في وجه أبي حُذَيْفَةَ مِن دُخُولِ سالمٍ وهو حَلِيفُهُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أَرْضِعيهِ تَحْرُمي عَلَيْهِ ).وفي رواية له عنها قالت: جاءت سَهْلَةُ بنتُ سُهَيْل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول اللَّه، إني أرى في وجه أبي حُذَيْفَة من دخول سالم وهو حليفُه، فقال النبيَّ صلى الله عليه وسلم: ( أرضعيهِ )، فقالت: وكيف أُرضِعُهُ وهو رَجُلٌ كبير، فتبسَّم رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقال: ( قد عَلِمْتُ أنه كبير ).

وفي لفظ لمسلم: أن أم سلمةَ رضي اللَّه عنها قالت لعائشةَ رضي اللَّه عنها: إنه يدخُل عليك الغلامُ الأيْفَعُ الذي ما أُحِبُّ أن يدخلَ عليَّ، فقالت عائشةُ رضي اللَّه عنها: أما لَكِ في رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أسوةٌ؟ إن امرأة أبي حُذيفة قالت: يا رسولَ اللَّه، إن سالماً يدخلُ عليَّ وهو رَجُل، وفي نفس أبي حُذيفَة منه شيءٌ، فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ( أَرْضِعيهِ حَتّى يَدْخُل عَلَيْكِ ).
وساقه أبو داود في سننه سياقه تامة مطولة، فرواه من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة وأم سلمة رضي اللَّه عنهما، أن أبا حذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنَّى سالماً، وأنكَحَهُ ابنةَ أخيه هنداً بنتَ الوليد بن عتبة، وهو مولىً لامرأة من الأنصار، كما تَبَنَّى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زيداً، وكان مَنْ تَبَنَّى رجلاً في الجاهلية، دعاهُ النَّاسُ إليه، وَوَرِثَ ميراثَه، حتى أنزل اللَّه تعالى في ذلك: {ادْعُوهُم لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] فردوا إلى آبائهم فمن لم يُعْلمْ له أبٌ كان مولىً وأخاً في الدِّين، فجاءت سَهْلَة بنتُ سُهَيْل بن عَمْرو القرشي، ثم العامري، وهي امرأةُ أبي حذيفة، فقالت: يا رسول اللَّهِ، إنا كُنَّا نرى سالِماً ولداً، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيتٍ واحدٍ، ويراني فُضُلاً، وقد أنزلَ اللَّهُ تعالى فيهم ما قد عَلِمْتَ، فكيف تَرَى فيه؟ فقال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: ( أرضعيه ) فأرْضعَتْهُ خمس رضعاتٍ، فكان بمنزلةِ ولدِها من الرَّضَاعَةِ، فبذلك كانت عائشةُ رضي اللَّه عنها تأمُرُ بناتِ إخوتِها، وبناتِ أخواتهَا أَن يُرضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عائشةُ رضي اللَّه عنها أن يَرَاهَا ويدخلَ عليها، وإن كان كبيراً خَمْسَ رضعاتٍ، ثُمَّ يدْخُلُ عليها، وأَبَتْ ذلك أُمُّ سَلَمَةَ وسائرُ أزواجِ النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدْخِلْنَ عليهنَّ أحداً بتلك الرِضاعةِ مِن الناس حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: واللَّه ما ندرى لعلَّها كانت رُخْصَةً من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دُونَ الناس.

فتضمنت هذه السُّنَنُ الثابتةُ في موضوع الرضاعة أحكاماً عديدةً، بعضها متفق عليه بين الأُمَّة، وفي بعضها نِزاع.

أحكام متعلقة بالرضاعة

الحكم الأول: 

قولُه صلى الله عليه وسلم: ( الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الوِلادَةُ )، وهذا الحكم متفقٌ عليه بين الأمَّةِ حتى عِند من قال: إن الزيادة على النص نسخ، والقرآنُ لا يُنْسخُ بالسُّنَّةِ، فإنه اضْطُر إلى قبولِ هذا الحكم وإن كان زائداً على ما في القرآن، سواء سماه نسخاً أو لم يُسمه، كما اضطُر إلى تحريم الجمع بين المرأة وعمَّتِهَا، وبينَها وبينَ خالتها، مع أنه زيادةٌ على نص القرآن، وذكرها هذا مع حديث أبي القُعَيس في تحريم لبن الفَحْل على أنَّ المرضعةَ والزوج صاحبَ اللَّبَن قد صارا أبوين للطفل، وصار الطفلُ ولداً لهما، فانتشرتِ الحُرْمة مِن هذِهِ الجهات الثلاثِ، فأولادُ الطفلِ وإن نزلوا أولادُ ولدِهما، وأولادُ كُلِّ واحد من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره، إخوتهُ وأَخواته من الجهات الثلاث. فأولادُ أحدهما من الآخر إخوتُه وأَخواته لأبيه وأمه، وأولاد الزوج من غيرها إخوته وأخواته من أبيه، وأولادُ المرضعة من غيره إخوتُه وأخواتُه لأمه، وصار آباؤها أجدَادَهُ وجَدَّاتِه، وصارَ إخوة المرأة وأخواتُها أَخوالَه وخالاتِه، وإخوةُ صاحب اللبن وأخَواتُه أعمامه وعَمَّاتِه، فَحُرْمَةُ الرَّضَاعِ تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط. ولا يتعدَّى التحريمُ إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأَخَواتِهِ، فيُباح لأخيه نِكَاحُ مَنْ أرضعتْ أخاهُ وبناتِهَا وأمهاتِهَا، ويُباحُ لأُختِه نكاحُ صَاحِبِ اللبن وأباهُ وبنيه، وكذلك لا ينتشِرُ إلى مَنْ فوقه من آبائِهِ وأمهاتِهِ، ومَنْ في درجتهِ مِن أعمامِهِ وعَمَّاتِهِ وأخوالِهِ وخالاتِهِ، فلأبي المرتضعِ مِن النسب، وأجدادهِ أن يَنْكِحُوا أُمَّ الطِّفْل من الرضاع وأمهاتِها وأخَواتِهَا وبناتِهَا وبناتِهَا، وأن يَنْكِحُوا أُمَّهاتِ صاحبِ اللبن وأخواتِهِ وبناتِهِ، إذ نظيرُ هذا من النسب حلال.

فللأخ من الأب أن يتزَوَّج أختَ أخيه من الأُمِّ، وللأْخ من الأم أن يَنْكِحَ أختَ أخيه من الأب، وكذلك يَنكِحُ الرجل أم ابنه من النسب وأختها، وأما أمُّها وبنتُها، فإنما حرمتا بالمصاهرة.
وهل يحرمُ نظيرُ المصاهرة بالرضاع، فيحرمُ عليه أمُّ امرأتِه مِن الرضاع، وبنتُها من الرَّضَاعة، وامرأةُ ابنه من الرَّضاعة، أو يحرمُ الجمعُ بين الأختين من الرَّضاعة، أو بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها من الرضاعة؟ فحرَّمه الأئمة الأربعة وأتباعهم، وتوقف فيه شيخُنا وقال: إن كان قد قال أحد بعدم التحريم، فهو أقوى.

قال المحرِّمون: تحريمُ هذا يدخلُ في قوله صلى الله عليه وسلم: ( يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ من النَّسَبِ ) فأجرى الرَّضاعة مجرى النسب، وشبَّهها به، فثبت تنزيلُ ولد الرضاعة وأبي الرضاعة منزلةَ ولد النسب وأبيه، فما ثبت للنسب من التحريم، ثبت للرَّضاعة، فإذا حَرُمَت امرأة الأب والابن، وأُمُّ المرأة، وابنتُها من النسب، حَرُمْنَ بالرَّضاعة. وإذا حَرُمَ الجمع بين أُختي النسب، حَرُمَ بين أُختي الرضاعة، هذا تقدير احتجاجهم على التحريم. قال شيخ الإسلام: اللَّه سبحانه حَرَّمَ سبعاً بالنسب، وسبعاً بالصِّهْر، كذا قال ابن عباس. قال: ومعلوم أن تحريمَ الرضاعة لا يُسمَّى صِهْراً، إنما يَحْرُم منه ما يَحْرُمُ من النسب، والنبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعةِ ما يَحْرُمُ من الولادة ). وفي رواية: ( ما يَحْرُم من النَّسَبِ ). ولم يقل: وما يَحْرُم بالمصاهرة، ولا ذكره اللَّهُ سبحانه في كتابه، كما ذكر تحريم الصِّهرِ، ولا ذَكَر تحريمَ الجمع في الرَّضَاعِ كما ذكره في النسب، والصِّهْر قسيمُ النسب، وشقيقُه، قال اللَّه تعالى: {وهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلهُ نَسَباً وصِهْراً} [الفرقان: 54]

فالعلاقةُ بين الناس بالنسب والصِّهْر، وهما سببا التحريم، والرَّضاع فرع على النسب، ولا تُعْقَلُ المصاهرة إلا بين الأنساب، واللَّهُ تعالى إنما حَرَّمَ الجمعَ بين الأُختين، وبين المرأة وعَمَّتِهَا، وبينها وبين خالتها، لئلا يُفضي إلى قطيعةِ الرَّحمِ المحرَّمة. ومعلوم أن الأختين من الرَّضاع ليس بينهما رَحِمٌ محرَّمة في غير النكاح، ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكمٌ قطُّ غير تحريم أحدهما على الآخر، فلا يعتق عليه بالملك، ولا يرِثُهُ، ولا يستحق النفقة عليه، ولا يثبتُ له عليه ولايةُ النكاح ولا الموتُ، ولا يَعْقِلُ عنه، ولا يدخلُ في الوصية والوقف على أقاربه وذوي رحمه، ولا يَحْرُم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة، ويَحْرُم من النسب، والتفريقُ بينهما في الملك كالجمع بينهما في النكاح سواء، ولو ملك شيئاً من المحرَّمات بالرضاع، لم يعتق عليه بالملك، وإذا حُرُمَتْ على الرجل أُمُّه وبنتُهُ وأُخْتُه وعَمَّتُه وخالتُه من الرضاعة، لم يلزم أن يحرم عليه أمُّ امرأته التي أرضعت امرأته، فإنه لا نسبَ بينه وبينها، ولا مصاهرة، ولا رضاع، والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون مثله في كل حكم، بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعافُ ما اجتمعا فيه منها، وقد ثبت جوازُ الجمع بين اللتين بينهما مُصاهرة محرَّمة، كما جمع عبدُ اللَّه بن جعفر بين امرأةِ عليٍّ وابنتِه من غيرِهَا. وإن كان بينهما تحريمٌ يمنع جواز نكاح أحدها للآخر لو كان ذكراً، فهذا نظيرُ الأختين من الرضاعة سواء، لأن سبب تحريم النكاح بينهما في أنفسهما، ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذي لا رضاعَ بينه وبينهما ولا صِهْر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.واحتجَّ أحمد بأن عبد اللَّه بن جعفر جمع بين امرأةِ عليٍّ وابنتِهِ، ولم ينكر ذلك أحدٌ، قال البخاريُّ : وجمع الحسنُ بنُ الحسن بن علي، بين بنتي عم في ليلة، وجمع عبدُ اللَّه بن جعفر بين امرأة عليٍّ وابنته، وقال ابنُ شُبْرُمَة: لا بأس به، وكرهه الحَسَنُ مرة ثم قال: لا بأس به. وكرهه جابرُ بن زيد للقطيعة، وليس فيه تحريم، لقوله عز وجل: {وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذلِكُم} [النساء: 24] هذا كلام البخاريُّ .

وبالجملة: فثبوتُ أحكام النسب من وجهٍ لا يستلزمُ ثُبوتَها من كل وجه، أو من وجه آخر، فهؤلاء نساءُ النبي صلى الله عليه وسلم هُنَّ أُمَّهاتُ المؤمنين في التحريم والحُرْمة فقط، لا في المحرمية، فليس لأحد أن يخلوَ بهنَّ ولا ينظرَ إليهن، بل قد أمرهُنَّ اللَّه بالاحتجابِ عَمَّن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن، ومَنْ بينهن وبينه رضاع، فقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْألُوهُنَّ مِنْ وراءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] ثم هذا الحكم لا يتعدَّى إلى أقاربهنَّ البتة، فليس بناتُهُنَّ أخوات المؤمنين يَحْرُمن على رجالهم، ولا بنوهُنَّ إخوة لهم يحرم عَليْهنَّ بناتُهُنَّ، ولا أخواتُهُنَّ وإِخوتهنَّ خالاتٍ وأخوالاً، بل هن حلال للمسلمين بإتفاق المسلمين، وقد كانت أُمُّ الفضل أختُ ميمونَة زوج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحت العباس، وكانت أسماء بنتُ أبي بكر أختُ عائشة رضي اللَّه عنها تحتَ الزبير، وكانت أم عائشة رضي اللَّه عنها تحتَ أبي بكر، وأمُّ حفصةَ تحت عمر رضي اللَّه عنه، وليس لرجل يتزوج أُمَّه، وقد تزوَّجَ عبدُ اللَّه بن عمر وإخوته، وأولاد أبي بكر، وأولاد أبي سفيان من المؤمنات، ولو كانوا أخوالاً لهن، لم يجْز أن ينكحوهن، فلم تنتشر الحُرمة من أمّهات المؤمنين إلى أقاربهنّ، وإلا لزم من ثبوت حكم من أحكام النسب بين الأُمة وبينهنَّ ثبوتُ غيره من الأحكام.

ومما يدلُّ على ذلِكَ أيضاً قولُه تعالى في المحرَّمات: {وحَلاَئِلُ أَبْنَائكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ} [النساء: 23] ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرَّضاع، فكيف إذا قُيِّدَ بكونه ابنَ صُلْب، وقصْدُ إخراجِ ابن التَّبنِّي بهذا لا يمنع إخراجَ ابن الرضاع، ويوجب دخلوه، وقد ثبت في الصحيح: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر سَهْلَة بنتَ سُهَيْل أن تُرْضِعَ سالماً مولَى أبي حذيفة ليصير مَحْرَماً لها، فأرضعتهُ بلبن أبي حذيفة زوجها، وصار ابنَها ومحرَمَها بنصِّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، سواء كان هذا الحكم مختصاً بسالم أو عاماً كما قالته أمُّ المؤمنين عائشة رضي اللَّه عنها، فبقي سالم مَحْرَماً لها، لكونها أرضعتْهُ وصارت أُمَّهُ، ولم يَصِرْ مَحْرماً لها، لكونها امرأة أبيه من الرَّضاعة، فإن هذا لا تأثيرَ فيه لرضاعة سَهْلَة له، بل لو أرضعَتْهُ جاريةٌ له، أو امرأة أُخرَى، صارت سهلةُ امرأة أبيه، وإنما التأثيرُ لِكونه ولدَها نفسِها وقد عُلِّل بهذا في الحديث نفسِهِ ولفظه: فقال النبيَّ صلى الله عليه وسلم: ( أَرْضِعِيه )، فأرضعتهُ خمس رَضَعَات، وكان بمنزلة ولدِها من الرضاعة، ولا يُمكِنُ دعوى الإجماع في هذه المسألة، ومن ادعاه فهو كاذب، فإن سعيد بن المسيب، وأبا سلمةَ بن عبد الرحمن، وسليمانَ بن يسار، وعطاءَ بن يسار، وأبا قِلابة، لم يكونوا يُثْبِتُون التحريمَ بلبن الفحل، وهو مرويٌّ عن الزبير، وجماعة من الصحابة، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى، وكانوا يرون أن التحريمَ إنما هو من قِبَلِ الأُمهات فقط، فهؤلاء إذا لم يجعلوا المرتضِع من لبن الفحل ولداً له، فأن لا يُحرِّموا عليه امرأته، ولا على الرضيع امرأةَ الفحل بطريق الأولى، فعلى قول هؤلاء فلا يَحْرُمُ على المرأة أبو زوجها من الرَّضاعة، ولا ابنُه من الرضاعة.

فإن قيل: هؤلاء لم يُثْبِتُوا البُنُوَّة بين المرتضِع وبين الفحل، فلم تثبتِ المصاهرةُ، لأنها فرع ثبوتِ بُنُوَّةِ الرَّضاع، فإذا لم تثبت له، لم يثبت فَرْعُهَا، وأما من أَثَبَتَ بُنُوَّةَ الرضاعِ من جهة الفحل كما دلت عليه السُّنَّة الصحيحة الصريحة، وقال به جمهور أهل الإسلام، فإنه تَثْبُتُ المصاهرة بهذه البنوة، فهل قال أحد ممن ذهب إلى التحريم بلبن الفحل: إن زوجة أبيه وابنهِ من الرضاعة لا تحرم؟ قيل: المقصود أن في تحريم هذه نزاعاً، وأنه ليس مجمعاً عليه، وبقي النظرُ في مأخذه، هل هو إلغاء لبن الفحل، وأنه لا تأثير له، أو إلغاء المصاهرة من جهة الرَّضاع، وأنه لا تأثير لها، وإنما التأثير لمصاهرة النسب؟
ولا شك أن المأخذ الأول باطل، لثبوت السُّنَّة الصريحة بالتحريم بلبن الفحل، وقد بينا أنه لا يلزم من القول بالتحريم به إثباتُ المصاهرة به إلا بالقياس، وقد تقدَّمَ أن الفارق بين الأصل والفرع أضعاف أضعافِ الجامع، وأنه لا يلزم من ثبوت حكم من أحكام النسب، ثبوت حكم آخر.

ويدل على هذا أيضاً أنه سبحانه لم يجعل أُمَّ الرَّضاع، وأخت الرَّضاعة داخلةً تحت أُمَّهاتنا وأخوَاتنا، فإنه سبحانه قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم وبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} [النساء: 23]، ثم قال: {وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتي أَرْضَعْنَكُم وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرّضَاعَةِ} [النساء: 23] فدل على أن لفظ أمَّهاتِنَا عند الإطلاق: إنما يراد بها الأم من النسب، وإذا ثبت هذا، فقوله تعالى: {وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم} [النساء: 23] مثل قوله: {وأمهاتُكُم} [النساء: 23]، إنما هن أمهات نسائنا من النسب، فلا يتناول أمهَّاتهن من الرضاعة، ولو أريد تحريمهنَّ لقال: وأمهاتهنّ اللاتي أرضعنهن، كما ذكر ذلك في أُمهاتنا وقد بينا أن قوله: ( يَحْرُمُ من الرضَاعَةِ ما يَحْرُم من النَّسَبِ )، إنما يدل على أن من حرم على الرجل من النسب حرم عليه نظيره من الرضاعة، ولا يدل على أن من حرم عليه بالصِّهر أو بالجمعِ، حَرُم عليه نظيره من الرضاعة، بل يدل مفهومه على خلاف ذلك، مع عموم قوله: {وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} [النساء: 24].

 

أحكام الرضاعة المتعلقة بالزوج والزوجة وأبنائهما

ومما يدل على أن تحريم امرأةِ أبيه وابنه مِنَ الرَّضاعةِ ليس مسألةَ إجماع، أنه قد ثبت عن جماعة من السلف جوازُ نِكاح بنتِ امرأتهِ إذا لم تكن في حجْرِهِ، كما صحَّ عن مالك بن أوس بن الحدثان النَّصْري، قال: كانت عندي امرأة، وقد ولدت لي، فتوفيتْ، فَوَجِدْتُ عليها، فَلَقِيتُ عليَّ بنَ أبي طالب رضي اللَّه عنه، قال لي: مالك؟ قلتُ: توفيت المرأةُ، قال: لها ابنةٌ؟ قلت: نعم، قال: كانت في حَجْرِك؟ قلت: لا، هي في الطائف. قال: فانكحها، قلت: فأين قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُم اللاَّتى في حُجُورِكُم مِنْ نِسَائِكُم} [النساء: 23]، قال: إنها لم تكن في حجرك، وإنما ذلك إذا كانت في حَجْرِك.

وصح عن إبراهيم بن ميسرة، أن رجلاً من بني سواءة يقال له: عُبيد اللَّه بن معبد، أثنى عليه خيراً، أخبره أنَّ أباه أو جَدَّه كان قد نكح امرأةً ذاتَ ولدٍ من غيرهِ، ثم اصطحبا ما شاء اللَّه، ثم نكح امرأة شابة، فقال: أحدُ بني الأُولى قد نَكَحْتَ على أمِّنَا وكَبرت واستغنيتَ عنها بامرأةٍ شابة، فطلِّقْهَا، قال: لا واللَّهِ إلا أن تُنْكحَني ابنتَك، قال: فطلَّقها وأنكحه ابنته، ولم تكن في حَجره هي ولا أبوها. قال: فجئت سفيانَ ابنَ عبد اللَّه، فقلت: استفتِ لي عمرَ بنَ الخطاب رضي اللَّه عنه. قال: لتَحُجَّنَّ معي، فأدخلني على عمرَ رضي اللَّه عنه بمنى، فقصصتُ عليه الخَبَر، فقال عمرُ: لا بأس بذلك، فاذهب فسل فلاناً، ثم تعالَ فأخبرني. قال: ولا أراهُ إلا علياً قال: فسألتُه، فقال: لا بأس بذلك، وهذا مذهب أهل الظاهر. فإذا كان عمر وعلي رضي اللَّه عنهما ومن يقول بقولهما قد أباحا الربيبة إذا لم تكن في حَجْر الزوج، مع أنها ابنةُ امرأته من النسب، فكيف يُحرمان عليه ابنَتها من الرضاع، وهذه ثلاثة قيود ذكرها اللَّه سبحانه وتعالى في تحريمها. أن تكون في حَجْرهِ، وأن تكون من امرأتِهِ، وأن يكون قد دخل بأمِّها.
فكيف يحرم عليه مجرد ابنتها من الرَّضاعة، وليست في حجْرِهِ، ولا هي ربيبته لغة، فإن الربيبةَ بنتُ الزوجة، والربيبُ ابنُها بإتفاق الناس، وسُمِّيَا ربيباً وربيبةً لأن زوج أمِّهما يَرُبُّهما في العادة، وأمَّا مَنْ أرضعتهما امرأتُه بغير لبنه، ولم يَرُبَّها قَطُّ، ولا كانت في حَجْرهِ، فدخولها في هذا النص في غاية البعد لفظاً ومعنىً، وقد أشار النبيَّ صلى الله عليه وسلم بتحريم الربيبة بكونها في الحَجْر. ففي صحيح البخاريُّ من حديث الزهري، عن عروة، أن زينبَ بنتَ أم سلمةَ أخبرتهُ أن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول اللَّه، أُخبِرْتُ أنك تخطُب بنتَ أبي سلمة، فقال: بنتَ أمِّ سلمة؟ قالت: نعم، فقال: ( إنَّهَا لَوْ تَكُنْ رَبيبَتي في حَجْري لَمَا حَلَّتْ لي ). وهذا يدل على اعتباره صلى الله عليه وسلم القيدَ الذي قيَّده اللَّه في التحريم، وهو أن تكون في حَجْر الزوج. ونظير هذا سواء، أن يقال في زوجة ابنِ الصُّلب إذا كانت مُحرَّمة برضاع: لو لم تكن حليلة ابني الذي لصلبي، لما حلَّت لي سواء، ولا فرق بينهما، وباللَّه التوفيق.

( الجزء الثاني من هنا )

الوسوم

مقالات ذات صلة

Flag Counter
إغلاق