الدين الإسلاميثقافة وفقه إسلامي

حكم رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الرضاعة وما يحرم بها، وما لا يحرم – الجزء الثاني

اكمال موضوع الرضاعة وحكم رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الرضاعة وما يحرم بها، وما لا يحرم، وحُكمه في القَدْرِ المحرِّم منها وحُكمه في إرضاع الكبير، هل له تأثير، أم لا؟

( الجزء الأول )
السُّنَنُ الثابتةُ في موضوع الرضاعة أحكاماً عديدةً، بعضها متفق عليه بين الأُمَّة، وفي بعضها نِزاع.

الحكم الثاني من أحكام الرضاعة: 

المستفاد من هذه السُّنَّة، أَنَّ لبن الفحل يُحَرِّم، وأن التحريمَ ينتشِرُ مِنه كما ينتشِر من المرأة، وهذا هو الحقُّ الذي لا يجوز أن يُقال بغيره، وإن خالف فيه مَنْ خالفَ من الصحابة ومَنْ بَعْدَهُم، فَسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أحَقُّ أن تُتَّبَعَ، ويتركَ ما خالفها لأجلها، ولا تُتْرَكُ هي لأجل قولِ أحد كائناً مَنْ كان. ولو تُركت السُّنَنُ لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غير ذلك، لَتُرِكَ سُنَنٌ كثيرة جداً، وتُركت الحجَّةُ إلى غيرها، وقولُ من يجب اتّباعه إلى قول من لا يجب اتِّباعه، وقولُ المعصوم إلى قولِ غيرِ المعصوم، وهذه بلية، نسأل اللَّه العافية منها، وأن لا نلقاه بها يوم القيامة.
قال الأعمش: كان عِمارة، وإبراهيم، وأصحابُنا لا يَرَوْنَ بلبن الفحل بأساً حتى أتاهم الحكم بنُ عُتَيْبَة بخبر أبي القُعَيس، يعني: فتركوا قولَهم، ورجعوا عنه، وهكذا يَصْنَعُ أهلُ العلم إذا أتَتْهُم السُّنَّةُ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، رجعوا إليها، وتركوا قولَهم بغيرها.

قال الذين لا يحرِّمون بلبن الفحل: إنما ذكر اللَّهُ سبحانه في كتابه التحريم بالرضاعة مِنَ جهة الأم، فقال {وأمَّهَاتُكُم اللاَّتى أَرْضَعْنكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] واللام: للعهد ترجع إلى الرَّضاعة المذكورة، وهي رَضاعة الأم، وقد قال اللَّه تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} [النساء: 24] فلو أثبتنا التحريمَ بالحديث لَكُنَّا قد نسخنا القرآن بالسُّنَّة، وهذا – على أصل من يقول: الزيادة على النص نسخ – ألزمُ، قالوا: وهؤلاء أصحابُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هم أعلمُ الأُمَّة بِسُنَّتِهِ، وكانوا لا يرون التحريمَ به، فصح عن أبي عُبيدة بن عبد اللَّه بن زَمْعَةَ أن أمَّهُ زينبَ بنتَ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين أرضعتها أسماءُ بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق رضي اللَّه عنه امرأةُ الزبير بن العوام، قالت زينب: وكان الزبيرُ يدخل عليَّ وأنا أَمْتَشِطُ فيأخذ بقَرْنٍ من قرون رأسي، ويقول: أقبلي عليَّ فحدِّثيني أرى أنه أبي، وما ولَدَ منه: فهم إخوتي، ثم إن عبدَ اللَّهِ بنَ الزبير أرسل إليَّ يخطُبُ أمَّ كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير، وكان حمزةُ للكلبية، فقالت لرسوله: وهَل تَحِلُّ له؟ وإنما هي ابنةُ أخته، فقال عبد اللَّه: إنما أردتِ بهذا المنعَ من قِبَلكِ. أمَّا ما ولدتْ أسماءُ، فهم إخوتك، وما كان من غير أسماءَ فليسوا لك بإخوةٍ، فأرسلي فاسألي عن هذا، فأرسلتْ فسألتْ، وأصحابُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متوافِرون، فقالوا لها، إن الرضاعة من قبلِ الرَّجُل لا تحرِّم شيئاً، فأنكحيها إياه، فلم تزل عنده حتى هلك عنها.

قالوا: ولم ينكر ذلك الصحابةُ رضي اللَّه عنهم، قالوا: ومن المعلوم أن الرضاعة من جهة المرأة لا من الرجل.
قال الجمهور: ليس فيما ذكرتم ما يُعارضُ السُّنَّة الصحيحة الصريحة، فلا يجوزُ العدولُ عنها. أمَّا القرآن، فإنه بينَ أمرين: إما أن يتناولَ الأخت من الأب من الرضاعة فيكون دالاً على تحريمها، وإما أن لا يتناولَها فيكون ساكتاً عنها، فيكون تحريمُ السُّنَّة لها تحريماً مبتدءاً ومخصصاً لعموم قوله:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] والظاهرُ يتناولُ لفظ الأختِ لها، فإنه سبحانه عمم لفظ الأخوات من الرَّضاعة، فدخل فيه كُلُّ مَنْ أطلق عليها أخته، ولا يجوزُ أن يُقال: إن أخته من أبيه من الرّضاعة ليست أختاً له، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي اللَّه عنها: ائذني لأفلح، فإنه عَمُّك، فأثْبتَ العمومةَ بينها وبينه بلبنِ الفحل وحده، فإذا ثبتت العُمُومة بين المرتضعة، وبين أخي صاحب اللبن، فثبوتُ الأُخوة بينها وبين ابنه بطريق الأولى أو مثله.

فالسُّنَّة بينتْ مرادَ الكتاب، لا أنها خالفته، وغايتُها أن تكونَ أثبتتْ تحريمَ ما سكت عنه، أو تَخصيص ما لم يرد عمومه.
وأما قولكم: إن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يرون التحريمَ بذلك، فدعوى باطلة على جميع الصحابة، فقد صح عن علي رضي اللَّه عنه إثبات التحريمِ به، وذكر البخاريُّ في صحيحه أن ابن عباس سئل عن رجل كانت له امرأتانِ أرضعت إحداهما جاريةً، والأخرى غلاماً، أيحِلُّ أن يَنْكَحَهَا؟ فقال ابنُ عباس: لا، اللقاحُ واحد، وهذا الأثر الذي استدللتم به صريح عن الزبير أنه كان يعتقدُ أن زينبَ ابنته بتلك الرضاعة، وهذه عائشةُ أُمُّ المؤمنين رضي اللَّه عنها كانت تُفتي: أن لبن الفحل ينشُرُ الحرمة، فلم يَبْقَ بأيديكم إلا عبدُ اللَّه بنُ الزبير، وأين يَقَعُ من هؤلاء.

وأما الذين سَألتهُم فأفتوها بالحل، فمجهولون غيرُ مَسَمَّين، ولم يقلِ الراوي: فسألت أصحابَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون، بل لعلها أرسلتْ فسألت من لم تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ الصحيحة منهم، فأفتاها بما أفتاها به عبد اللَّه بن الزبير، ولم يكن الصحابة إذ ذاك متوافرين بالمدينة، بل كان معظمهم وأكابرُهم بالشام والعراق ومصر.
وأما قولكم: إن الرَّضاعة إنما هي من جهة الأم، فالجواب أن يقال: إنما اللبنُ للأب الذي ثار بوطئه، والأم وعاء له، وباللَّه التوفيق.

فإن قيل: فهل تَثْبت أبُوَّةُ صاحب اللبن وإن لم تثبت أمومة المرضعة، أو ثبوتُ أُبُوَّتهِ فرع على ثبوت أمومة المرضعة؟
قيل: هذا الأصلُ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب أحمد والشافعي، وعليه مسألة من له أربعُ زوجات، فأرضعنَ طفلةً كُلُّ واحدةٍ منهن رَضْعتين، فإنهن لا يَصِرْنَ أماً لها، لأن كل واحدة منهن لم تُرضِعْها خمس رَضَعَات. وهل يصير الزوج أباً للطفلة؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يصير أباً، كما لم تَصِر المرضعاتُ أُمَّهاتٍ،
الثاني وهو الأصح: يصير أباً، لكون الولد ارتضع من لبنه خمس رَضَعَات، ولبنُ الفَحْل أصلٌ بنفسه، غير متفرِّع على أمومة المرضعة، فإن الأبوةَ إنما تثبُت بحصول الارتضاع من لبنه، لا لِكون المرضعة أمه، ولا يجيءُ على أَصْلَيْ أبي حنيفة ومالك، فإن عندهما قليل الرضاع وكثيره محرِّم، فالزوجاتُ الأربع أمهات للمرتضِع، فإذا قلنا بثبوت الأُبُوَّةِ وهو الصحيح، حَرُمَتِ المرضعاتُ على الطفل، لأنه ربيبُهنَّ، وهُنَّ موطوءات أبيه، فهو ابنُ بَعْلهِنَّ. وإن قلنا: لا تثُبت الأْبُوَّةُ لم يَحْرُمْنَ عليه بهذا الرضاع.

وعلى هذه المسألة: ما لو كان لِرجل خمسُ بناتٍ، فأرضعنَ طفْلاً، كلُّ واحدة رَضْعَة، لم يَصِرْنَ أمهاتٍ له. وهل يصير الرجل جداً له، وأولاده الذين هم إخوةُ المرضِعات أخوالاً له وخالات؟ على وجهين، احدهما: يصير جداً، وأخوهن خالاً، لأنه قد كَملَ المرتضِع خمسَ رَضَعَاتٍ من لبن بناته، فصار جَدّاً، كما لو كان المرتضِع بنتاً واحدة. وإذا صار جَدّاً كان أولادُه الذين هُم إخوةُ البنات أخوالاً وخالات، لأنهن إخوةُ من كمل له منهن خمسُ رَضَعتَات، فنزلوا بالنسبة إليه منزلةَ أم واحدة، والآخر لا يصيرُ جَداً، ولا أخواتُهن خالاتٍ، لأن كونَه جداً فرعٌ على كونِ ابنته أمَّاً، وكونُ أخيها خالاً فرع على كون أُخته أمّاً، ولم يثبتِ الأصل، فلا يثُبت فرعُه، وهذا الوجه أصحُّ في هذه المسألة، بخلاف التي قبلَها، فإن ثبوت الأُبُوَّةِ فيها لا يستلزم ثبوت الأمومة على الصحيح. والفرقُ بينهما: أن الفرعية متحققة في هذه المسألة بين المرضعات وأبيهن، فإنهنَّ بناتُه، واللبن ليس له، فالتحريم هنا بين المرضعة وابنها، فإذا لم تكن أُمًّا، لم يكن أبوها جَدَّاً، بخلافِ تلك، فإن التحريم بينَ المرتضِع وبينَ صاحب اللبن، فسواءٌ ثبتت أمومةُ المرضعة أولا، فعلى هذا إذا قلنا: يصير أَخُوهنَّ خالاً.

فهل تكون كل واحدة منهن خالةً له؟ فيه وجهان.


أحدهما: لا تكون خالةً، لأنه لم يرتضِعْ من لبن أخواتِهَا خمس رضعات، فلا تثبت الخؤولة.

الثاني: تثبت، لأنه قد اجتمع من اللبن المحرِّم خمس رضعات، وكان ما ارتضع منها ومن أخواتها مثبتاً للخؤولة، ولا تثبت أمومة واحدة منهن إذ لم يرتضع منها خمس رضعات، ولا يستبعدُ ثبوت خؤولة بلا أمومة، كما ثبت في لبن الفحل أبوة بلا أمومة، وهذا ضعيف. والفرق بينهما. أن الخؤولة فرع محض على الأمومة، فإذا لم يثبت الأصل، فكيف يثُبت فرعُه؟ بخلاف الأبوة والأُمومة، فإنهما أصلان لا يلزم من انتفاه أحدهما انتفاء الآخر.
وعلى هذا مسألة، ما لو كان لرجل أُم، وأخت، وابنة، وزوجةُ ابن، فأرضعن طِفْلَةً كُلُّ واحدة منهن رَضْعَة، لم تَصِرْ واحدةٌ منهن أمها، وهل تحرم على الرجل؟ على وجهين. أوجههما: ما تقدم. والتحريمُ ههنا بعيد، فإن هذا اللبن الذي كمل للطفل لا يجعل الرجل أباً له، ولا جداً، ولا أخاً، ولا خالاً، واللَّه أعلم.

وقد دلّ التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة مِن ماء الزاني دلالةَ الأولى والأحْرى، لأنه إذا حرم عليه أن ينكِحَ من قد تغذَّت بلبن ثار بوطئه، فكيف يَحِلُّ له أن ينكِحَ من قد خُلِقَ مِن نفس مائة بوطئه؟ وكيف يحرِّم الشارعُ بنته من الرضاع لما فيها من لبن كان وطء الرجل سبباً فيه، ثم يُبيح له نكاحَ مَنْ خُلِقَتْ بنفسِ وطئه ومائة؟ هذا من المستحيل، فإن البَعْضِيَّةَ التي بينه وبينَ المخلوقة مِن مائة أكملُ وأتمُّ مِن البَعْضِيَّة التي بينَه وبين من تغذَّت بلبنه، فإن بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية، والمخلوقة من مائة كاسمها مخلوقة مِن مائة، فنصفُها أو أكثرها بعضُه قطعاً، والشطرُ الآخر للأم، وهذا قولُ جمهورِ المسلمين، ولا يُعرف في الصحابة من أباحها، ونص الإمام أحمد رحمه اللَّه، على أن من تزوَّجها، قُتِلَ بالسيف محصناً كان أو غيره. وإذا كانت بنتُه من الرضاعة بنتاً في حكمين فقط: الحرمة، والمحرمية، وتخلف سائر أحكام البنت عنها لم تُخرجها عن التحريم، وتُوجب حِلها، فكذا بنتُه مِن الزنى تكون بنتاً في التحريم. وتخلُّفُ أحكامِ البنت عنها لا يُوجب حلها، واللَّه سبحانه خاطب العرب بما تعقِلُه في لغاتِها، ولفظ البنت لفظ لغوي لم ينقلْه الشارع عن موضعه الأصلي، كلفظ الصلاة والإيمان ونحوهما، فَيُجملُ على موضوعه اللغوي حتى يثبت نقل الشارع له عنه إلى غيره، فلفظُ البنتِ كلفظِ الأخ والعم والخال ألفاظٌ باقية على موضوعاتها اللغوية. وقد ثبت في الصحيح أن اللَّه تعالى أنطق ابنَ الراعي الزاني بقوله: ( أبي فُلانٌ الرَّاعي )، وهذا الإنطاقُ لا يحتمِلُ الكذب، وأجمعت الأمةُ على تحريم أمِّه عليه. وخلقُه من مائها، وماء الزاني خلقٌ واحد، وإثمهُما فيه سواء، وكونه بعضاً له مثلُ كونه بعضاً لها، وإنقطاع الإرث بين الزاني والبنت لا يُوجب جوازَ نكاحها، ثم مِن العجب كيف يُحَرِّمُ صاحبُ هذا القول أن يستمنيَ الإنسان بيده، ويقول: هو نكاحٌ لِيده، ويُجوِّزُ للإنسان أن ينكحَ بعضَه، ثم يُجوِّزُ له أن يستفرِشَ بعضه الذي خَلَقَهُ اللَّه مِن مائه، وأخرجَهُ مِن صُلبه،كما يستفرش الأجنبية.

الحكم الثالث من أحكام الرضاعة: 

أنه لا تُحرم المصةُ والمصَّتَانِ، كما نص عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا يُحرِّمُ إلا خمسُ رضعات، وهذا موضع اختلف فيه العلماء. فأثبتت طائفة من السلف والخلف التحريم بقليل الرضاع وكثيرة، وهذا يروى عن علي وابن عباس، وهو قولُ سعيد بن المسيب، والحسن والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وهو مذهبُ مالك، وأبي حنيفة، وزعم الليثُ بنُ سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيرة يُحرِّم في المهد ما يُفْطِرُ به الصائم، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه اللَّه. وقالت طائفة أخرى: لا يثبُت التحريمُ بأقلَّ مِن ثلاث رضعات، وهذا قولُ أبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، وداود بن علي، وهو روايةٌ ثانية عن أحمد.

وقالت طائفة أخرى: حول موضوع التحريم بالرضاع لا يثُبت بأقلَّ مِن خمس رضعات، وهذا قول عبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن الزبير، وعطاء، وطاووس، وهو إحدى الروايات الثلاث عن عائشة رضي اللَّه عنها، والرواية الثانية عنها: أنه لا يحرم أقل من سبع، والثالثة: لا يحرم أقل من عشر. والقول بالخمس مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وهو قولُ ابن حزم، وخالف داود في هذه المسألة.

فحجةُ الأولين أنه سبحانه علَّقَ التحريم باسم الرضاعة، فحيث وجد اسمُها وُجدَ حكمُها، والنبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( يحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَة مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ ) وهذا موافق لإطلاق القرآن.
وثبت في الصحيحين، عن عقبة بن الحارث، أنه تزوج أمّ يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتُكما، فذكر ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: ( وكيْف وقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُما فنهاهُ عنها )، ولم يسأل عن عدد الرضاع، قالوا: ولأنه فعل يتعلق به التحريم، فاستوى قليلهُ وكثيره، كالوطء الموجب له، قالوا: ولأن إنشاز العظم، وإنبات اللحم يحصُل بقليله وكثيره. قالُوا: ولأن أصحابَ العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها، واضطربت أشدَّ الاضطراب، وما كان هكذا لم يجعله الشارعُ نصاباً لِعدم ضبطه والعلم به.

قال أصحابُ الثلاث: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتان )، وعن أم الفضل بنتِ الحارث قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ( لا تُحَرِّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاَجَتَانِ ). وفي حديث آخر: أن رجلاً قال: يا رسولَ اللَّه، هل تُحَرِّمُ الرضعةُ الواحِدة؟ قال: ( لا ). وهذه أحاديث صحيحة صريحة، رواها مسلم في صحيحه، فلا يجوز العدولُ عنها فأثبتنا التحريمَ بالثلاث لِعموم الآية، ونفينا التحريمَ بما دونها بصريحِ السنة قالُوا: ولأن ما يُعتبر فيه العدد والتكرارُ يُعتبر فيه الثلاث. قالوا: ولأنها أولُ مراتب الجمع، وقد اعتبرها الشارعُ في مواضع كثيرة جداً.

قال أصحابُ الخمسِ: الحجةُ لنا ما تقدَّم في أول الفصل من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقد أخبرت عائشة رضي اللَّه عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم توفي والأمرُ على ذلك، قالُوا: ويكفي في هذا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم لِسهلة بنت سهيل: ( أَرضِعِي سَالِماً خَمْسَ رَضَعَاتٍ تَحْرُمِي عَلَيْهِ ). قالُوا: وعائشة أعلمُ الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساءُ النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشةُ رضي اللَّه عنها إذا أرادت أن يدْخُلَ عليها أحد أمرت إحدى بَنَاتِ إخوتِها أو أخواتِها فأرضعتهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ. قالوا: ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريحٌ في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيرة، وهي ثلاثةُ أحاديث صحيحة صريحة بعضُها خرج جواباً للسائل، وبعضُها تأسيسُ حكم مبتدأ. قالُوا: وإذا علقنا التحريمَ بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئاً من النصوص التي استدللتُم بها، وإنما نكونُ قد قيدنا مطلقها بالخمس، وتقييدُ المطلقِ بيانٌ لا نسخ ولا تخصيصٌ. وأما من علَّق التحريمَ بالقليل والكثير، فإنه يُخالف أحاديثَ نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأما صاحبُ الثلاث، فإنه وإن لم يُخالفها، فهو مخالفٌ لأحاديث الخمس.

قال من لم يُقيده بالخمس: حديثُ الخمس لم تنقله عائشةُ رضي اللَّه عنها نقلَ الأخبار، فيحتج به، وإنما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنما يثُبت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآناً، فلا يكون قرآناً، وإذا لم يكن قرآناً ولا خبراً، امتنع إثباتُ الحكم به.

قال أصحابُ الخمس: الكلامُ فيما نقل مِن القرآن آحاداً في فصلين:

أحدهما: كونُه من القرآن،
الثاني: وجوبُ العمل به، ولا ريبَ أنهما حكمان متغايران، فإن الأول يُوجب انعقادَ الصلاة به، وتحريمَ مسه على المحدث، وقراءتهِ على الجنبِ، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكامُ لعدم التواتر، لم يلزم انتفاءُ العمل به، فإنه يكفي فيه الظَّنُّ، وقد احتجَّ كُلُّ واحد من الأئمةِ الأربعة به في موضع، فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع، واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود ( فصيامُ ثلاثة أيام متتابعات ). واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم أنه السدس بقراءة أبي، ( وإن كان رجل يُورث كلالة، أو امرأة وله أخ، أو أخت من أم، فلكل واحد منهما السدس )، فالناسُ كلهم احتجُّوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها.
قالوا: وأما قولُكم إما أن يكون نقله قرآناً أو خبراً، قلنا: بل قرآناً صريحاً. قولُكم: فكان يجب نقله متواتراً، قلنا: حتى إذا نسخ لفظُه أو بقي، أما الأول، فممنوع، والثاني، مسلَّم، وغايةُ ما في الأمر أنه قرآن نُسِخَ لفظُه، وبقي حكمه، فيكونُ له حكمُ قوله: ( الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجمُوهما ) مما اكتفي بنقله آحاداً، وحكمُه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه. وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان.

أحدهما: أن التحريم لا يثبت بأقلَّ مِن سبع، كما سئل طاووس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرة الواحدة تُحرِّمُ، وهذا المذهب لا دليل عليه.
الثاني: التحريمُ إنما يثبتُ بعشر رضعات، وهذا يُروى عن حفصة وعائشة رضي اللَّه عنهما.
وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن قال طاووس: كان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم رضعات محرمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم تُرِكَ ذلك بعد، وقد تبين الصحيحُ من هذه الأقوال، وباللَّه التوفيق.

ما هو مقدار الرضعة المحتسبة في التحريم

 

هناك عدة أقوال لأهل العلم حول مقدار الرضعة المحتسبة للتحريم وقد لخصها ابن قيم الجوزية رحمه الله فيما يلي:
فإن قيل: ما هي الرضعةُ التي تنفصلُ من أختها، وما حدُّها؟ قيل: الرضعةُ فعلة مِن الرضاع، فهي مرة منه بلا شك، كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم الثديَ، فامتصَّ منه ثم تركه باختياره مِن غير عارض كان ذلك رضعة، لأن الشرع ورد بذلك مطلقاً، فحُملَ على العُرف، والعُرف هذا، والقطعُ العارضُ لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه ثم يعودُ عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة، هذا مذهب الشافعي، ولهم فيما إذا قطعت المرضعةُ عليه، ثم أعادته وجهان.

أحدهما: أنها رضعة واحدة ولو قطعته مراراً حتى يقطع بإختياره، قالُوا: لأن الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة، ولهذا لو ارْتَضَع منها وهي نائمة حُسِبَت رضعة، فإذا قطعت عليه، لم يُعتد به، كما لو شرع في أكلة واحدة أمره بها الطبيبُ، فجاء شخص فقطعها عليه، ثم عاد، فإنها أكلة واحدة.

الوجه الثاني: أنها رضعة أخرى، لأن الرضاعَ يَصِحُّ من المرتضع، ومن المرضعة، ولهذا لو أَوْجَرَتْهُ وهو نائم احتسِبَ رضعة.
ولهم فيما إذا انتقل من ثدي المرأة إلى ثدي غيرها وجهان.
أحدهما: لا يعتد بواحد منهما لأنه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة، فلم تتم الرضعة من إحداهما. ولهذا لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعةً واحدةً.
والثاني: أنه يحتسب من كل واحد منهما رضعة، لأنه ارتضع، وقطعه بإختياره من شخصين.

وأما مذهبُ الإمام أحمد رحمه اللَّه، فقال صاحب كتاب المغني: إذا قطع قطعاً بيناً بإختيارهِ، كان ذلك رضعة، فإن عاد كان رضعةً أخرى، فأما إن قطع لِضيق نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لشيء يُلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، نظرنا، فإن لم يَعُدْ قريباً، فهي رضعة وإن عاد في الحال، ففيه وجهان، أحدهما: أن الأولى رضعة، فإذا عاد فهي رضعة أخرى، قال: وهذا اختيار أبي بكر، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، فإنه قال: أما ترى الصبي يرتضع من الثدي، فإذا أدركه النَّفسُ، أمسكَ عن الثدي ليتنفس، أو ليستريح، فإذا فعل ذلك، فهي رضعة.

قال الشيخ: وذلك أن الأولى رضعةٌ لو لم يعد، فكانت رضعة، وإن عاد، كما لو قطع باختياره. والوجه الآخر أن جميع ذلك رضعة، وهو مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت عليه المرضعة، ففيه وجهان، لأنه لو حلف: لا أكلتُ اليومَ إلا أكلةً واحدةً، فاستدام الأكلُ زمناً، أو انقطع لشرب ماء أو انتقال من لون إلى لون، أو انتظار لما يُحمل إليه من الطعام لم يُعدّ إلا أكلة واحدة فكذا ههنا، والأول أصح، لأن اليسير من السعوط والوَجُور رضعة، فكذا هذا.
قلتُ، وكلامُ أحمد يحتملُ أمرين،
أحدهما: ما ذكره الشيخ، ويكون قوله: ( فهي رضعة )، عائداً إلى الرضعة الثانية.
الثاني: أن يكون المجموعُ رضعة، فيكون قوله: ( فهي رضعة ) عائداً إلى الأول، والثاني، وهذا أظهر محتمليه، لأنه استدل بقطعه للتنفس، أو الاستراحة على كونها رضعة واحدة. ومعلوم أن هذا الاستدلال أليقُ بكون الثانية مع الأول واحدة من كون الثانية رضعةً مستقلة، فتأمله.
وأما قياسُ الشيخ له على يسير السَّعوط والوَجور، فالفرقُ بينهما أن ذلك مستقل ليس تابعاً لرضعة قبله، ولا هو مِن تمامها، فيقال: رضعة بخلاف مسألتنا، فإن الثانية تابعة للأولى، وهي من تمامها فافترقا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

Flag Counter
إغلاق