الدين الإسلاميثقافة وفقه إسلامي

قضاء وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة المرأة – أنواع العدة الجزء الأول

قضاء وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العدد للمرأة – أنواع العدة
هذا البابُ قد تولى الله سبحانه بيانَه في كتابه أتمَّ بيانٍ، وأوضحَه، وأجمَعه بحيث لا تَشِذُّ عنه معتدة، فذكر أربعة أنواعٍ من العِدَدِ، وهي جملة أنواعها.

أنواعٍ العِدَدِ للمرأة التي ذكرها الله في كتابه



النوع الأول: عِدَّةُ الحامل بوضع الحمل مطلقاً بائنةً كانت أو رجعيةً، مفارقة في الحياة، أو متوفى عنها،فقال:{وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وهذا فيه عمومٌ مِن ثلاث جهات.
أحدُها: عمومُ المخَبرِ عنه، وهو أولاتُ الأحمال، فإنه يتناولُ جميعَهُن.
الثاني: عمومُ الأجَلِ، فإنه أضافه إليهن، وإضافةُ اسمِ الجمع إلى المعرفة يَعُمُّ، فجعل وضعَ الحمل جميعَ أجلهن، فلو كان لِبعضهن أجل غيره لم يكن جميعَ أجلهن.
الثالث: أن المبتدأ والخبر معرفتان، أما المبتدأ: فظاهر، وأما الخبر وهو قوله تعالى: { أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، ففي تأويل مصدر مضاف، أي أجلهن وضع حملهن، والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، اقتضى ذلك حصرَ الثاني في الأول، كقوله:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ} [فاطر: 15]، وبهذا احتج جمهورُ الصحابة على أن الحامِلَ المتوفى عنها زوجُها عِدتُها وضعُ حملها، ولو وضعته والزوجُ على المغتسل كما أفتى به النبيَّ صلى الله عليه وسلم لِسْبَيْعَةَ الأسلمية، وكان هذا الحكمُ والفتوى منه مشتقاً من كتاب اللَّه، مطابقاً له.
النوع الثاني: عدة المطلقة التي تحيضُ، وهي ثلاثةُ قُروُء، كما قال اللَّه تعالى: {والمطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوءٍ} [البقرة: 228].

النوع الثالث: عدة التي لا حيضَ لها، وهي نوعان: صغيرة لا تحيض، وكَبِيرة قد يئست من الحيض. فبيَّن اللَّهُ سبحانَه عِدَّة النوعين بقوله: {واللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهر وَاللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]، أي: فعدتهن كذلك.
النوع الرابع: المتوفى عنها زوجها فبين عدتها سبحانه بقوله: {وَالَّذِين يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234]، فهذا يتناول المدخولَ بها وغيرَها، والصغيرةَ والكبيرة، ولا تدخل فيه الحامل، لأنها خرجت بقوله: {وَأُولاتُ الأحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] فجعل وضع حملهن جميع أجلهن، وحصره فيه، بخلاف قوله في المتوفى عنهن: {يَتَربَّصْنَ} [البقرة: 228]، فإِنَّهُ فِعْلٌ مطلقٌ لا عمومَ له، وأيضاً فإن قوله: {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلهُنَّ} [الطلاق: 4]، متأخر في النزول عن قوله: {يَتَربَّصْنَ} [البقرة: 228]، وأيضاً فإن قوله: {يَتَرَبَّصْنَ بأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 228]، في غير الحامل بالاتفاق، فإنها لو تمادى حملها فوق ذلك تربصته، فعمومُها مخصوص اتفاقاً، وقوله: {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] غيرُ مخصوص بالاتفاق، هذا لو لم تأت السنةُ الصحيحةُ بذلك، ووقعت الحوالةُ على القرآن، فكيف والسنة الصحيحة موافقة لذلك، مقررة له.

فهذه أصول العدد في كتاب اللَّه مفصَّلةً مبينة، ولكن اختلف في فهم المراد من القرآن ودلالته في مواضع من ذلك، وقد دلَّت السنةُ بحمد اللَّه على مرادِ اللَّه منها ونحن نذكرها ونذكر أوْلَى المعاني وأشبهها بها، ودلالة السنة عليها.

شروط وأحكام العدة للمرأة المطلقة أو الأرملة الحامل وغيرها


فمن ذلك اختلافُ السلف في المتوفى عنها إذا كانت حاملاً، فقال علي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة: أبعدُ الأجلين من وضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشراً، وهذا أحد القولين في مذهب مالك رحمه اللَّه اختاره سحنُون. قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب عنه: علي بن أبي طالب وابن عباس يقولان في المعتدة الحامل: أبعد الأجلين، وكان ابن مسعود يقول: من شاء باهَلْتُهَ، إنَّ سورة النساء القُصرى نزلت بعدُ، وحديث سبيعة يقضي بينهم ( إذا وَضَعَتْ، فَقَدْ حَلَّتْ ). وابنُ مسعود يتأول القرآن: {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، هي في المتوفي عنها، والمطلقة مثلها إذا وضعت، فقد حلَّت، وانقضت عِدتها، ولا تنقضي عدة الحامِلِ إذا أسقطت حتى يتبين خلقُه، فإذا بان له يد أو رجل، عتقت به الأمة، وتنقضي به العدة، وإذا ولدت ولداً وفي بطنها آخر، لم تنقضِ العدةُ حتى تَلِدَ الآخر، ولا تغيبُ عن منزلها الذي أُصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشراً إذا لم تكن حاملاً، والعِدة مِن يومِ يموت أو يطلق، هذا كلام أحمد.
وقد تناظر في هذه المسألة: ابنُ عباس، وأبو هريرة رضي اللَّه عنهما، فقال أبو هريرة: عِدتُها وضع الحمل، وقال ابنُ عباس: تعتدُّ أقصى الأجلين، فحكَّما أمَّ سلمة رضي اللَّه عنها، فحكمت لأبي هريرة، واحتجت بحديث سُبَيْعَة.

وقد قيل: إن ابن عباس رجع.
وقال جمهورُ الصحابة ومَن بعدهم، والأئمةُ الأربعة: إن عدتها وضعُ الحمل، ولو كان الزوجُ على مغتسَلِه فوضعت، حلَّت.قال أصحاب الأجلين: هذه قد تناولها عمومان، وقد أمكن دخولُها في كليهما، فلا تخرجُ مِن عدتها بيقين حتى تأتي بأقصى الأجلين، قالوا: ولا يُمكِنُ تخصيصُ عموم إحداهما بخصوص الأخرى، لأن كلَّ آية عامةٌ من وجه، خاصةٌ من وجه، قالوا: فإذا أمكن دخولُ بعض الصور في عموم الآيتين، يعني إعمالاً للعموم في مقتضاه.فإذا اعتدت أقصى الأجلين دخل أدناهما في أقصاهما.
والجمهورُ أجابوا عن هذا بثلاثة أجوبة:-

أحدها: أن صريحَ السنة يدل على اعتبار الحمل فقط، كما في الصحيحين ): أن سُبيعة الأسلميةَ توفي عنها زوجُها وهي حبلى، فوضعت، فأرادت أن تنكِحَ، فقال لها أبو السنابل: ما أنتِ بناكحة حتى تعتدي آخرَ الأجلين، فسألَت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ( كَذَبَ أَبو السَّنابِلِ، قَد حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ ).
الثاني أن قوله: {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، نزلت بعدَ قوله: {والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ، بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234]، وهذا جواب عبد اللَّه بن مسعود، كما في صحيح البخاريُّ عنه: أتجعلُون عليها التغليظَ، ولا تجعلون لها الرخصة، أشهد لنزلت سورةُ النساء القُصرى بعد الطولى:
{وَأولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].

وهذا الجوابُ يحتاج إلى تقرير، فإن ظاهِرَه أن آيةَ الطلاق مقدَّمة على آيةِ البقرة لتأخرِها عنها، فكانت ناسخةً لها، ولكن النسخ عند الصحابة والسلف أعمُّ مِنه عند المتأخرين، فإنهم يُريدون به ثلاثة معان.
أحدُها: رفعُ الحكم الثابت بخطاب.
الثاني: رفعُ دلالة الظاهر إما بتخصيص، وإما بتقييد، وهو أعمُّ مما قبله.
الثالث: بيانُ المراد باللفظ الذي بيانه مِن خارج، وهذا أعمُّ مِن المعنيين الأولين، فابن مسعود رضي اللَّه عنه أشار بتأخر نزولِ سورةِ الطلاق، إلى أن آية الاعتداد بوضع الحملِ ناسخة لآية البقرة إن كان عمومُها مراداً، أو مخصَّصة لها إن لم يكن عمومُها مراداً مبيِّنة للمراد منها، أو مقيِّدة لإطلاقها، وعلى التقديرات الثلاث، فيتعينُ تقديمُها على عموم تلك وإطلاقها، وهذا مِن كمال فقهه رضي اللَّه عنه، ورسوخِه في العلم، ومما يُبين أن أصولَ الفقه سجيةٌ للقوم، وطبيعةٌ لا يتكلفونها، كما أن العربيةَ والمعانى والبيان وتوابعَها لهم كذلك، فَمَنْ بعدهم فإنما يُجهد نفسه ليتعلق بغُبارهم وأني له؟

الثالث:أنه لو لم تأت السنةُ الصريحةُ بإعتبار الحمل، ولم تكن آيةُ الطلاق متأخرة، لكان تقديمُها هو الواجب لما قررناه أولاً من جهات العموم الثلاثة فيها، وإطلاق قوله: {يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 234]، وقد كانت الحوالةُ على هذا الفهم ممكنة، ولكن لِغموضه ودِقته على كثيرٍ من الناس، أُحيل في ذلك الحكم على بيان السنة، وباللَّه التوفيق.

ودل قولُه سبحانه: {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، على أنها إذا كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض العِدةُ حتى تضعهما جيمعاً، ودلَّت على أن من عليها الاستبراء، فعِدتها وضعُ الحمل أيضاً، ودلت على أن العِدة تنقضى بوضعهِ على أىِّ صفة كان حياً أو ميتاً، تامَّ الخِلقة أو ناقِصَها، نُفِخَ فيه الروحُ أو لم يُنفخ.
ودل قولُه: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234]، على الاكتفاء بذلك وإن لم تَحضْ وهذا قول الجمهور، وقال مالك: إذا كان عادتُها أن تحيض في كل سنة مرة، فتوفي عنها زوجُها، لم تنقض عدتها حتى تحيضَ حيضتها، فتبرأ مِن عِدتها. فإن لم تَحِض، انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم وفاته، وعنه رواية ثانية: كقول الجمهور، أنه تعتدُّ أربعة أشهر وعشراً، ولا تنتظِرُ حيضها.

ومن ذلك اختلافُهم في الأقراء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ فقال أكابر الصحابة: إنها الحيض، هذا قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعُبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ ابن جبل رضي اللَّه عنهم، وهو قولُ أصحاب عبد اللَّه ابن مسعود، كلهم كعلقمة، والأسود، وإبراهيم، وشُريح وقول الشعبي، والحسن، وقتادة، وقولُ أصحاب ابن عباس، سعيدِ ابن جبير، وطاووس، وهو قولُ سعيد بن المسيِّب، وهو قولُ أئمة الحديث: كإسحاق بن إبراهيم، وأبي عُبيد القاسم، والإمام أحمد رحمه اللَّه، فإنه رجع إلى القول به، واستقرَّ مذهبُه عليه، فليس له مذهب سواه، وكان يقول: إنها الأطهار، فقال في رواية الأثرم: رأيتُ الأحاديث عمن قال: القروء الحيض، تختلِفُ. والأحاديث عمن قال: إنه أحقُّ بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة أحاديثُ صحاح قوية، وهذا النصُّ وحدَه هو الذي ظفر به أبو عمر بن عبد البر، فقال: رجع أحمد إلى أنَّ الأقراء: الأطهار، وليس كما قال: بل كان يقولُ هذا أولاً، ثم توقَّف فيه، فقال في رواية الأثرم أيضاً: قد كنتُ أقول الأطهار، ثم وقفت كقول الأكابر، ثم جزم أنها الحيضُ، وصرح بالرجوع عن الأطهار، فقال في رواية ابن هانىء. كنت أقول: إنها الأطهارُ، وأنا اليوم أذهبُ إلى أن الأقراء الحيض، قال القاضي أبو يعلى: وهذا هو الصحيح عن أحمد رحمه اللَّه، وإليه ذهب أصحابنا، ورجع عن قوله بالأطهار، ثم ذكر نصَّ رجوعه مِن رواية ابن هانىء كما تقدم، وهو قولُ أئمة أهل الرأي، كأبي حنيفة وأصحابه.

وقالت طائفة: الأقراء: الأطهار، وهذا قولُ عائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر.
ويُروى عن الفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان والزهري، وعامة فقهاء المدينة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
وعلى هذا القول، فمتى طلقها في أثناءِ طهر، فهل تحتسب ببقيته قرءاً؟ على ثلاثة أقوال.
أحدها: تحتسب به، وهو المشهورُ.
والثاني: لا تحتسِبُ به، وهو قولُ الزهري. كما لا تحتسِبُ ببقية الحيضة عند مَنْ يقول: القرء: الحيض اتفاقاً.
والثالث: إن كان قد جامعها في ذلك الطهر، لم تحتسِب ببقيته، وإلا احتسبت، وهذا قولُ أبي عبيد. فإذا طعنت في الحيضة الثالثة أو الرابعة على قول الزهري، انقضت عدتها. وعلى قول الأول، لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضةُ الثالثة.

 

هل تنقضي عدة المرأة باغتسالها


وهَلْ يقِفُ انقضاء عدتها على اغتسالها منها؟ على ثلاثة أقوال.
أحدها: لا تنقضي عدتها حتى تغتسل، وهذا هو المشهُورُ عن أكابرِ الصحابة، قال الإمام أحمد: وعمر، وعلي، وابن مسعود يقولون: له رجعتُها قبل أن تغتسِلَ مِن الحيضة الثالثة، انتهى.
ورُوي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبي موسى، وعبادة، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل رضي اللَّه عنهم، كما في مصنف وكيع، عن عيسى الخياط، عن الشعبي، عن ثلاثة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخيَّر فالخيَّر، منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عباس: أنه أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ مِن الحيضة الثالثة.
وفي مصنفه أيضاً، عن محمد بن راشد، عن مكحول، عن معاذ ابن جبل وأبي الدرداء مثلُه.
وفي مصنف عبد الرزاق: عن معمر، عن زيد بن رفيع، عن أبي عُبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، قال: أرسل عثمان إلى أبي بن كعب في ذلك، فقال أبي بن كعب: أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من حَيضتها الثالثة، وتحل لها الصلاةُ، قال: فما أعلم عثمان إلا أخذ بذلك.

وفي مصنفه أيضاً: عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، أن عُبادة ابن الصامت قال: لا تبينُ حتى تغتسِلَ من الحَيْضَة الثالثة، وتَحِلُّ لها الصلاة.
فهولاء بضعة عشر من الصحابة، وهو قولُ سعيد بن المسيب، وسفيان الثوري وإسحاق بن راهوية. قال شريك: له الرجعة وإن فرَّطت في الغسل عشرينَ سنة، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه اللَّه.
الرواية الثانية: أنها تنقضي بمجرد طهرها من الحيضة الثالثة، ولا تَقِفُ على الغسل، وهذا قولُ سعيد بن جبير والأوزاعي، والشافعي في قوله القديم حيث كان يقول: الأقراء: الحيض، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب.
الرواية الثالثة: أنها في عدتها بعد انقطاع الدم، ولِزوجها رجعتها حتى يمضي عليها وقتُ الصلاة التي طهرت في وقتها، وهذا قولُ الثوري، والرواية الثالثة عن أحمد: حكاها أبو بكر عنه، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه اللَّه، لكن إذا انقطع الدم لأقلِّ الحيض، وإن انقطع الدم لأكثره، إنقضتِ العدة عنها بمجردِ انقطاعه.وأما من قال: أن القروء هي الأطهار، اختلفوا في موضعين:
أحدهما: هل يشترط كون الطهر مسبوقاً بدم قبله، أو لا يُشترط ذلك؟ على قولين لهم، وهما وجهان في مذهب الشافعي وأحمد. أحدهما: يُحتسب، لأنه طهر بعده حيض فكان قرءاً، كما لو كان قبله حيض.
الثاني: لا يُحتسب، وهو ظاهر نص الشافعي في الجديد، لأنها لا تُسمى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدم.

الموضع الثاني: هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة أو لا تنقضي حتى تحيضَ يوماً وليلةً؟ على وجهين لأصحاب أحمد، وهما قولان منصوصان للشافعي، ولأصحابه وجه ثالث: إن حاضت للعادة، انقضت العِدةُ بالطعن في الحيضة. وإن حاضت لِغير العادة، بأن كانت عادتها ترى الدم في عاشر الشهر، فرأته في أوله، لم تنقضِ حتى يمضَي عليها يوم وليلة. ثم اختلفوا: هل يكون هذا الدم محسوباً من العدة؟ على وجهين، تظهرُ فائدتهما في رجعتها في وقته، فهذا تقرير مذاهب الناس في الأقراء.

قال من نص: إنها الحيض: الدليل عليه وجوه.


أحدها: أن قولَه تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروُء} [البقرة: 228]، إما أن يراد به الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعُهما. والثالث: محال إجماعاً، حتى عند من يَحمِلُ اللفظ المشترك على معنييه. وإذا تعيَّن حمله على أحدهما، فالحيض أولى به لوجوه.
أحدها: أنها لو كانت الأطهار فالمعتدة بها يكفيها قَرآنِ، ولحظةُ من الثالث، وإطلاق الثلاثة على هذا مجاز بعيد لنصية الثلاثة في العدد المخصوص.
فإن قلتم: بعض الطهر المطلق فيه عندنا قرء كامل، قيل: جوابه مِن ثلاثة أوجه.
أحدها: أن هذا مختلف فيه كما تقدم، فلم تُجمع الأمة على أن بعض القَرء قرء قطُّ، فدعوى هذا يفتقِرُ إلى دليل.
الثاني: أن هذا دعوى مذهبية، أوجب حملَ الآية عليها إلزامُ كون الأقراء الأطهار، والدعاوى المذهبية لا يُفسَّرُ بها القرآن، وتُحمل عليها اللغة، ولا يُعقل في اللغة قطُّ أن اللحظة من الطُّهر تُسمى قرءاً كاملاً، ولا اجتمعت الأمة على ذلك، فدعواه لا تثبت نقلاً ولا إجماعاً، وإنما هو مجرد الحمل، ولا ريب أن الحمل شيء، والوضع شيء آخر، وإنما يُفيد ثبوتُ الوضع لغة أو شرعاً أو عرفاً.
الثالث: أن القرء إما أن يكون اسماً لمجموع الطهر، كما يكون اسماً لمجموع الحيضة أو لبعضه، أو مشتركاً بين الأمرين اشتراكاً لفظيًّا، أو اشتراكاً معنويًّا، والأقسام الثلاثة باطلةٌ فتعيَّن الأول، أما بطلانُ وضعه لبعض الطهر، فلأنه يلزمُ أن يكون الطهرُ الواحِدُ عدَّةَ أقراء، ويكون استعمالُ لفظ ( القرء ) فيه مجازاً. وأما بطلانُ الاشتراك المعنوي، فمن وجهين، أحدهما: أنه يلزم أن يصْدُق على الطهر الواحد أنه عِدة أقراء حقيقة. والثاني: أن نظيرَهَ وهو الحيض لا يُسمى جزؤه قرءاً اتفاقاً، ووضع القرء لهما لغة لا يختلِفُ، وهذا لاخفاء به.
فإن قيل: تختار من هذه الأقسام أن يكون مشتركاً بين كُلِّه وجزُئه اشتراكاً لفظيًّا، ويُحمل المشترك على معنييه، فإنه أحفظُ، وبه تحصل البراءة بيقين. قيل: الجوابُ من وجهين. أحدهما: أنه لا يَصِحُّ اشتراكه كما تقدم. الثاني: أنه لو صح اشتراكه، لم يجز حملُه على مجموع معنييه.
أما على قول من لا يُجوِّزُ حمل المشترك على معنييه، فظاهر، وأما من يُجوِّز حمله عَليهما، فإنما يُجوزونه إذا دل الدليل على إرادتهما معاً. فإذا لم يدل الدليل وقفوه حتى يقوم الدليل على إرادة أحدهما، أو إرادتهما، وحكى المتأخرون عن الشافعي، والقاضي أبي بكر، أنه إذا تجرَّد عن القرائن، وجب حملُه على معنييه، كالاسم العام لأنه أحوط، إذ ليس أحدهما أولى به من الآخر، ولا سبيل إلى معنى ثالث، وتعطيلُهُ غير ممكن، ويمتنِعُ تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة. فإذا جاء وقتُ العمل، ولم يتبيَّنْ أن أحدَهما هو المقصود بعينه، عُلِمَ أن الحقيقة غيرُ مرادة، إذ لو أريدت لبيّنت، فتعيَّن المجازُ، وهو مجموع المعنيين، ومن يقول: إن الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لما لم يتبين أن المرادَ أحدهما علم أنه أراد كليهما.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: في هذه الحكاية عن الشافعي والقاضي نظر، أما القاضي، فمن أصله الوقف في صيغ العموم، وأنه لا يجوز حملُها على الاستغراق إلا بدليل، فمن يَقِفُ في ألفاظ العموم كيف يَجْزِمُ في الألفاظ المشتركة بالاستغراقِ من غير دليل وإنما الذي ذكره في كتبه إحالة الاشتراك رأساً، وما يُدعى فيه الاشتراك، فهو عنده من قبيل المتواطىء، وأما الشافعي، فمنصبُه في العلم أجلُّ من أن يقول مثل هذا، وإنما استنبط هذا من قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى مِن فوق ومِنْ أسفل، وهذا قد يكونُ قاله لاعتقاده أن المولى من الأسماء المتواطِئة، وأن موضعه القدر المشترك بينهما، فإنه من الأسماء المتضايقة، كقوله ( منْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلي مَوْلاَهُ ) ولا يلزمُ مِن هذا أن يُحكى عنه قاعدة عامة في الأسماء التي ليس من معانيها قدرٌ مشترك أن تُحمَلَ عند الإطلاق على جميع معانيها.

ثم الذي يَدلُّ على فساد هذا القول وجوه.
أحدها: أن استعمال اللفظ في معنييه إنما هو مجاز، إذ وَضْعهُ لِكل واحد منهما على سبيل الانفراد هو الحقيقة، واللفظُ المطلق لا يجوزُ حمله على المجاز، بل يجب حملُه على حقيقته.
الثاني: أنه لو قُدِّرَ أنه موضوع لهما منفردين، ولكل واحد منهما مجتمعين، فإنه يكون له حينئذ ثلاثةُ مفاهيم، فالحمل على أحد مفاهيمه دونَ غيره بغير موجب ممتنع.
الثالث: أنه حينئذ يستحيلُ حملُه على جميع معانيه، إذ حملُه على هذا وحدَه، وعليهما معاً مستلزم للجمع بين النقيضين، فيستحيلُ حملُه على جميع معانيه، وحملُه عليهما معاً حملٌ له على بعض مفهوماته، فحملُه على جميعها يُبطِلُ حمله على جميعها.

الرابع: أن ههنا أموراً.
أحدها: هذه الحقيقة وحدها،
الثاني: الحقيقة الأخرى وحدها،
الثالث: مجموعهما،
الرابع: مجاز هذه وحدها،
الخامس: مجاز الأخرىوحدها،
السادس: مجازهما معاً،
السابع: الحقيقة وحدَها مع مجازِها،
الثامن: الحقيقة مع مجاز الأخرى.
التاسع: الحقيقةُ الواحدة مع مجازهما،
العاشر: الحقيقة الأخرى مع مجازها،
الحادى عشر: مع مجاز الأخرى،
الثاني عشر: مع مجازهما، فهذه اثنا عشر محملاً بعضها على سبيل الحقيقة، وبعضها على سبيل المجاز، فتعيين معنى واحد مجازى دونَ سائر المجازات، والحقائق ترجيحٌ مِن غير مرجح، وهو ممتنع.

الخامس: أنه لو وجب حملُه على المعنيين جميعاً لصار من صيغ العموم، لأن حكم الاسم العام وجوبُ حمله على جميع مفرداته عند التجرد مِن التخصيص، ولو كان كذلك، لجاز استثناء أحدِ المعنيين منه، ولسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق العموم، وكان المستعمِلُ له في أحد معنييه بمنزلة المستعملِ للاسم العام في بعض معانيه، فيكون متجوزاً في خطابه غير متكلم بالحقيقة، وأن يكون من استعمله في معنييه غيرَ محتاج إلى دليل، وإنما يحتاج إليه من نفي المعنى الآخر، ولوجب أن يفهم منه الشمول قبل البحث عن التخصيص عند من يقول بذلك في صيغ العموم، ولا ينفي الإجمِال عنه، إذ يصيرُ بمنزلة سائر الألفاظ العامة، وهذا باطل قطعاً، وأحكام الأسماء المشتركة لا تُفارق أحكام الأسماء العامة، وهذا مما يعلم بالاضطرار من اللغة، ولكانت الأمة قد أجمعت في هذه الآية على حملها على خلاف ظاهرها ومطلقها إذ لم يصر أحدٌ منهم إلى حمل ( القرء ) على الطهر والحيض معاً، وبهذا يتبين بطلان قولهم: حمله عليهما أحوطُ، فإنه لو قُدِّرَ حملُ الآية على ثلاثةِ من الحيض والأطهار، لكان فيه خروجٌ عن الاحتياط. إن قيل: نحمله على ثلاثة من كل منهما، فهو خلاف نص القرآن إذ تصير الأقراء ستة.
قولهم: إما أن يُحمل على أحدهما بعينه، أو عليهما إلى آخره قلنا: مثلُ هذا لا يجوز أن يَعرى عن دلالة تُبين المراد منه كما في الأسماء المجملة، وإن خفيت الدلالة على بعض المجتهدين، فلا يلزمُ أن تكون خفية عن مجموع الأمة، وهذا هو الجواب عن الوجه الثالث، فالكلام، إذا لم يكن مطلقُه يدل على المعنى المراد، فلا بد من بيان المراد. وإذا تعين أن المراد بالقرء في الآية أحدُهما لا كلاهما، فإرادة الحيض أولى لوجوه. منها: ما تقدم.

مقالات ذات صلة

Flag Counter
إغلاق