الدين الإسلاميثقافة وفقه إسلامي

قضاء وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة المرأة – أنواع العدة الجزء الثاني

اكمال موضوع العدة للمرأة في الإسلام
الثاني: أن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر، فإنهم يذكرونه تفسيراً للفظه، ثم يُردفونه بقولهم: وقيل، أو قال فلان، أو يقال، على الطهر، أو وهو أيضاً الطهر، فيجعلون تفسيره بالحيض كالمستقر المعلوم المستفيض، وتفسيره بالطهرِ قول قيل. وهاك حكايةُ ألفاظهم. قال الجوهري: القَرء بالفتح: الحيض، والجمع أقراء وقُروء، في الحديث: (لا صَلاَةَ أَيَّامَ أقْرائِك).

القَرء أيضاً: الطهر، وهو من الأضداد.وقال أبو عُبيد: الأقراء: الحيض، ثم قال: الأقراء الأطهار، وقال الكِسائي: والفَراء أقرأتِ المرأة: إذا حاضت. وقال ابن فارس: القُروء: أوقات، يكون للطهر مرة، وللحيض مرة، والواحد قَرء ويقال: القرء: وهو الطهر، ثم قال: وقوم يذهبون إلى أن القرء الحيض، فحكي قولَ مَنْ جعله مشتركاً بين أوقات الطهر والحيض، وقولَ من جعله لأوقات الطهر، وقولَ من جعله لأوقات الحيض، وكأنه لم يختر واحداً منهما، بل جعله لأوقاتهما. قال: وأقرأت المرأة إذا خرجت من حيض إلى طهر، ومن طهر إلى حيض، وهذا يدل على أنه لا بُدَّ من مسمى الحيض في حقيقته يُوضح أن من قال: أوقاتُ الطهر تُسمى قروءاً، فإنما يريد أوقات الطهر التي يحتوِشُها الدم، وإلا فالصغيرة والآيسة لا يقال لزمن طهرهما أقراء، ولا هُما مِن ذوات الأقراء بإتفاق أهل اللغة.

الدليل الثاني: أن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض، ولم يجيء عنه في موضع واحد استعمالُه للطهر، فحملُه في الآية على المعهود المعروفِ من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإنه صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: ( دَعي الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ) وهو صلى الله عليه وسلم المعبِّرُ عن اللَّه تعالى، وبلغة قومِه نزل القرآنُ، فإذا ورد المشتركُ في كلامِهِ على أحد معنييه، وجب حملُه في سائر كلامه عليه إذا لم تثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة، ويصيرُ هو لغةَ القرآن التي خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، ويصير هذا المعنى الحقيقة الشرعية في تخصيص المشترك بأحد معنييه، كما يُخَصُّ المتواطىءُ بأحد أفراده، بل هذا أولى، لأن أغَلبَ أسباب الاشتراك تسمية أحدِ القبيلتين الشيء باسم، وتسمية الأخرى بذلك الاسم مسمى آخر، ثم تشيع الاستعمالات، بل قال المبرَّد وغيره: لا يقع الاشتراكُ في اللغة إلا بهذا الوجه خاصة، والواضع لم يضع لفظاً مشتركاً البتة، فإذا ثبت استعمالُ الشارع لفظ القروء في الحيض، علم أن هذا لغته، فيتعينُ حملُه على ما في كلامه. ويوضح ذلك ما في سياق الآية مِن قوله: {ولاَ يَحِّلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ في أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] وهذا هو الحيضُ، والحمل عند عامة المفسرين، والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي، ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضُهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إنه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُنيَ بجمع أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره. وأيضاً فقد قال سبحانه: {واللاَّئي يَئِسْنَ مِنَ المحيضِ مِنْ نِسَائِكُم إن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أشْهُرٍ، واللاَّئىْ لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]، فجعل كُلَّ شهر بإزاء حيضة، وعلَّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض.

وأيضاً فحديث عائشة رضي اللَّه عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم:
( طَلاَقُ الأَمَةِ تَطْليقَتَانِ، وَعِدَّتُها حَيْضَتَانِ )، رواه أبو داود، ابن ماجه، والترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلاّ من حديث مظاهر ابن أسلم، ومظاهر لا يُعرف له في العلم غير هذا الحديث، وفي لفظ للدارقطني فيه: ( طلاقُ العَبْدِ ثِنْتان )، وروى ابن ماجه من حديث عَطية العَوْفي، عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ( طَلاَقُ الأَمَةِ اثْنَتَانِ، وعِدَّتُها حَيْضَتَانِ ). أيضاً: قال ابن ماجة في سننه: حدثنا على بن محمد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: أمرت بريرة أن تعتدَّ ثلاث حيض.وفي المسند: عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة، فاختارت نفسها، وأمرها أن تعتد عدة الحرة. وقد فسر عدة الحرة بثلاث حيض في حديث عائشة رضي اللَّه عنها. فإن قيل: فمذهب عائشة رضي اللَّه عنها، أن الأقراء: الأطهار؟ قيل: ليس هذا بأول حديث خالفه روايه، فأخذ بروايته دون رأيه، وأيضاً ففي حديث الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة ثابتِ بنِ قيس ابن شمَّاس لما اختلعت من زوجها أن تتربَّص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها، رواه النسائي.

وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، أن امرأة ثَابت ابن قَيْس اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا، فأمرها النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن تعتدَّ بحَيْضةٍ.
وفي الترمذي: أن الرُّبَيِّعَ بنتَ معوذ اختلعَت على عهدِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأمرها النبيَّ صلى الله عليه وسلم أو أمِرَتْ أن تَعتَدَّ بحيضة. قال الترمذي: حديث الرُّبَيِّعِ الصحيحُ أنها أُمِرَتْ أن تعتد بحيضة. وأيضاً، فإن الاستبراء هو عِدَّةُ الأمة، وقد ثبت عن أبي سعيد: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: ( لاَ تُوَطأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلِ حَتَّى تَحيضَ حَيْضَةً ) رواه أحمد وأبو داود.
فإن قيل: لا نسلِّم أن استبراء الأمة بالحيضة، وإنما هو بالطهر الذي هو قبلَ الحيضة، كذلك قال ابنُ عبد البر، وقال: قولهم: إن استبراء الأمة حيضة بإجماع ليس كما ظنُّوا، بل جائز لها عندنا أن تنكِحَ إذا دخلت في الحيضة، واستيقنت أن دمَها دمُ حيض، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين أدخل عليه في مناظرته إياه.

قلنا: هذا يردُّه قولُه صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تُوطَأُ الحَامِلُ حَتَى تَضَعَ وَلا حَائِلٌ حَتَى تُسْتَبْرأ بِحَيْضَةٍ ).
وأيضاً فَالمقصودُ الأصلى مِن العدة إنما هو استبراءُ الرحم، وإن كان لها فوائد أخر، ولِشرف الحرة المنكوحة وخطرها، جعل العلم الدال على براءة رحمها ثلاثة أقراء، فلو كان القرء: هو الطهر، لم تحصل بالقرء الأول دلالة، فإنه لو جامعها في الطهر، ثم طلقها، ثم حاضت كان ذلك قرءاً محسوباً من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلوم: أن هذا لم يدل على شيء، وإنما الذي يَدُلُّ على البراءة الحيض الحاصل بعد الطلاق، ولو طلقها في طهر، لم يُصبها فيه، فإنما يعلم هنا براءة الرحم بالحيض الموجود قبلَ الطلاق، والعِدة لا تكونُ قبل الطلاق لأنها حُكمه، والحكم لا يسبِقُ سببه، فإذا كان الطهرُ الموجود بعد الطلاق لا دلالة له على البراءة أصلاً، لم يجز إدخالهُ في العِدد الدالة على براءة الرحم، وكان مثلُه كمثل شاهدٍ غيرِ مقبول، ولا يجوزُ تعليقُ الحكم بشهادة شاهد لا شهادة له، يُوضحه أن العدة في المنكوحات، كالاستبراء في المملوكات.

وقد ثبت بصريح السنة أن الاستبراء بالحيض لا بالطُّهر، فكذلك العِدَّةُ إذ لا فرق بينهما إلا بتعدد العِدة، والاكتفاءُ بالاستبراء بقرء واحد، وهذا لا يُوجب اختلافهما في حقيقة القرء، وإنما يختلفان في القدر المعتبر منهما، ولهذا قال الشافعي في أصحَّ القولين عنه: إن استبراء الأمة يكون بالحيض، وفرق أصحابه بين البابين، بأن العدة وجبت قضاء لحق الزوج، فاختصَّت بأزمان حقه، وهي أزمان الطهر، وبأنها تتكرر، فتُعلم معها البراءة بتوسط الحيض بخلاف الاستبراء، فإنه لا يتكرر، والمقصودُ منه مجرد البراءة، فاكتفي فيه بحيضة. وقال في القول الآخر: تُستبرأ بطهر طرداً لأصله في العِدد، وعلى هذا، فهل تُحتسب ببعض الطهر؟ على وجهين لأصحابه، فإذا احتُسِبَتْ به، فلا بُد من ضمِّ حيضة كاملة إليه. فإذا طعنت في الطهر الثاني، حلَّت، وإن لم تحتسب به، فلا بُدَّ من ضمِّ طهر كامل إليه، ولا تحتسب ببعض الطهر عنده قرءاً قولاً واحداً.

والمقصود: أن الجمهورَ على أن عدة الاستبراء حيضة لا طُهر، وهذا الاستبراء في حق الأمة كالعِدة في حق الحرة، قالوا: بل الاعتداد في حق الحرة بالحيض أولى من الأمة من وجهين.
أحدهما: أن الاحتياط في حقها ثابت بتكرير القرء ثلاث استبراءات، فهكذا ينبغي أن يكونَ الاعتدادُ في حقها بالحيض الذي هو أحوطُ مِن الطهر، فإنها لا تُحسب بقية الحيضة قرءاً، وتُحتسب ببقية الطهر قرءاً.

الثاني: أن استبراء الأمة فرع عدة الحُرَّةِ، وهي الثابتة بنص القرآن، والاستبراء إنما ثبت بالسنة، فإذا كان قد احتاط له الشارعُ بأن جعله بالحيض، فاستبراء الحرة أولى، فعِدة الحرة استبراء لها، واستبراء الأمة عِدة لها.
وأيضاً فالأدلة والعلامات والحدود والغايات إنما تحصُل بالأمور الظاهرة المتميِّزة عن غيرها، والطهرُ هو الأمر الأصلى، ولهذا متى كان مستمراً مستصحباً لم يكن له حكم يُفرد به في الشريعة، وإنما الأمر المتميز هو الحيضُ، فإن المرأة إذا حاضت تغيَّرت أحكامُها مِن بلوغها، وتحريم العبادات عليها من الصلاة والصوم والطواف واللُّبث في المسجد وغيرِ ذلك من الأحكام.
ثم إذا إنقطع الدمُ واغتسلت، فلم تتغير أحكامُها بتجدد الطهر، لكن لزوال المغير الذي هو الحيض، فإنها تعود بعد الطهر إلى ما كانت عليه قبل الحيض من غير أن يُجدد لها الطهر حكماً، والقرء أمر يُغير أحكام المرأة، هذا التغييرُ إنما يحصل بالحيض دون الطهر. فهذا الوجه دال على فساد قول من يحتسب بالطهر الذي قبل الحيضة قرءاً فيما إذا طلقت قبل أن تحيض، ثم حاضت، فإن من اعتد بهذا الطهر قرءاً، جعل شيئاً ليس له حكم في الشريعة قرءاً من الأقراء، وهذا فاسد.

قال من جعل الأقراء الأطهار: الكلامُ معكم في مقامين:
أحدهما: بيان الدليل على أنها الأطهار.
الثاني: في الجواب عن أدلتكم.
أما المقام الأول: فقوله تعالى: {يا أيُّها النبيَّ إذا طَلَّقتم النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتهنَّ} [الطلاق: 1]، ووجه الاستدلال به: أن اللام هي لام الوقت، أي: فطلقوهن في وقت عدتهن، كما في قوله تعالى: {وَنَضَعُ الموَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، أي: في يوم القيامة، وقوله: {أَقِم الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، أي: وقت الدلوك، وتقول العرب: جئتك لثلاث بقين من الشهر، أي: في ثلاث بقين منه، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بهذا التفسير، ففي الصحيحين: عن ابن عمر رضي اللَّه عنه: أنه لما طلّق امرأته وهي حائض، أمره النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يُراجِعَها، ثم يُطلِّقَها، وهي طاهر، قبل أن يمسَّها، ثم قال: ( فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لهَا النِّسَاءُ ) فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن العِدة التي أمر اللَّه أن تُطلق لها النساءُ هي الطهرُ الذي بعد الحيضة، ولو كان القرءُ هو الحيض، كان قد طلقها قبل العِدة لا في العِدة، وكان ذلك تطويلاً عليها، وهو غيرُ جائز، كما لو طلقها في الحيض.

قال الشافعي: قال اللَّه تعالى:{وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فالأقراء عندنا واللَّه أعلم الأطهار، فإن قال قائل: ما دل على أنها الأطهار وقد قال غيرُكُم: الحيض؟ قيل: له دلالتان. إحداهما: الكتابُ الذي دلت عليه السنة، والأخرى: اللسان. فإن قال: وما الكتاب؟ قيل: قال اللَّه تبارك وتعالى: {إذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، وأخبرنا مالك: عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه عنه، أنه طلَّق امرأته وهي حائض في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ( مُرْهُ فَلْيُراجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتَّى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطلَّقَ لهَا النِّسَاءُ ).
أخبرنا مسلم، وسعيد بن سالم، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، أنه سمع ابن عمر يذكر طلاقَ امرأته حائضاً، فقال: قال النبيَّ صلى الله عليه وسلم: ( إذَا طهَرتْ فَلْيُطَلِّقْ أوْ يُمْسِكْ )، وتلا النبيَّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ} [الطلاق: 1] لِقُبُلِ أو في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ قال الشافعي رحمه اللَّه: أنا شككت، فأخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن اللَّه عز وجَلَّ: أن العِدة الطُهر دون الحيض، وقرأ: {فَطلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ}وهو أن يُطلقها طاهراً، لأنها حينئذ تستقبِلُ عِدتها، ولو طُلِّقت حائضاً، لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض.
فإن قال: فما اللسان؟ قيل: القرء: اسم وُضِعَ لمعنى، فلما كان الحيضُ دماً يُرخيه الرحم فيخرُج، والطهر دماً يحتبس، فلا يخرج، وكان معروفاً من لسان العرب، أن القرء: الحبس. تقولُ العرب: هو يَقري الماء في حوضه وفي سقائه، وتقول العرب: هو يقري الطعام في شِدقه، يعني: يحبسه في شدقه. وتقولُ العرب: إذا حبس الرجل الشيء، قرأه. يعني: خبأه، وقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: تُقري في صحافها، أي: تُحبس في صحافها.

قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي اللَّه عنها، أنها انتقلت حفصةُ بنتُ عبد الرحمن حين دخلت في الدَّمِ مِن الحيضة الثالثة. قال ابنُ شهاب: فَذُكِرَ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صَدَقَ عروة. وقد جادلها في ذلك ناس. وقالوا: إن اللَّه تعالى يقول: {ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة 228]، فقالت عائشة رضي اللَّه عنها: صدقتُم، وهل تدرونَ ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار. أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركتُ أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول هذا: يُريد الذي قالت عائشة رضي اللَّه عنها. قال الشافعي رحمه اللَّه: وأخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة رضي اللَّه عنها: إذا طعنَتِ المطلقةُ في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد برئت منه.
وأخبرنا مالك رحمه اللَّه، عن نافع، وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار، أن الأحوص يعني ابنَ حكيم هلك بالشام حين دخلت امرأتُه في الحيضة الثالثة، وقد كان طلقها، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت يسألُه عن ذلك؟ فكتب إليه زيد: إنها إذا دخلت في الدَّمِ من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، وبرىء منها، ولا ترثه، ولا يَرِثُها.

وأخبرنا سفيان، عن الزهري، قال: حدثني سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت، قال: إذا طعنتِ المرأة في الحيضة الثالثة فقد برئت.
وفي حديث سعيد بن أبي عَروبة، عن رجل، عن سليمان بن يسار، أن عثمان ابن عفان وابن عمر قالا: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.
وأخبرنا مالك: عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه فدخلت في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، ولا ترثه، ولا يرثها.
أخبرنا مالك رحمه اللَّه، أنه بلغه عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللَّه، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب، أنهم كانوا يقولون: إذا دخلت المطلقة في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد بانت منه، ولا ميراثَ بينهما. زاد غيرُ الشافعي عن مالك رحمهما اللَّه: ولا رجعة له عليها. قال مالك: وذلك الأمر الذي أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا.

قال الشافعي رحمه اللَّه: ولا بُعد أن تكون الأقراء الأطهار، كما قالت عائشة رضي اللَّه عنها، والنساءُ بهذا أعلم، لأنه فيهن لا في الرجال، أو الحيض، فإذا جاءت بثلاثِ حيض، حلَّت، ولا نجد في كتاب اللَّه للغسل معنى، ولستم تقولون بواحد من القولين، يعني: أن الذين قالوا: إنها الحيض، قالوا: وهو أحق برجعتها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، كما قاله علي، وابن مسعود، وأبو موسى، وهو قول عمر بن الخطاب أيضاً. فقال الشافعي: فقيل لهم يعني للعراقيينَ: لم تقولوا بقول من احتججتم بقوله، ورويتُم هذا عنه، ولا بقول أحدٍ من السلف علمناه؟ فإن قال قائل: أين خالفناهم؟ قلنا. قالوا: حتى تغتسِل وتَحِل لها الصلاة، وقلتم: إن فرطت في الغسل حتى يذهبَ وقتُ الصلاة حلَّت وهي لم تغتسل، ولم تحل لها الصلاة. انتهى كلام الشافعي رحمه اللَّه.

قالُوا: ويدل على أنها الأطهار في اللسان قولُ الأعشى:
أفي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ***** تَشُدُّ لأْقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَــا
مُوَرِّثّة عِزَّاً وفي الحَىِّ رِفْعَــة ***** لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا

فالقروء في البيت: الأطهار، لأنه ضيع اطهارهن في غزاته، وآثرها عليهن.
قالوا: ولأن الطهر أسبقُ إلى الوجود مِن الحيض، فكان أولى بالاسم، قالُوا: فهذا أحدُ المقامين.
وأما المقام الآخر، وهو الجواب عن أدلتكم: فنُجيبكم بجوابين مجملٍ ومفصل.

أما المجمل: فنقولُ: من أنزل عليه القرآن، فهو أعلمُ بتفسيره، وبمراد المتكلم به من كل أحد سواه، وقد فسر النبيَّ صلى الله عليه وسلم العدة التي أمر اللَّهُ أن تُطلَّق لها النساءُ بالأطهار، فلا التفاتَ بعد ذلك إلى شيء خالفه، بل كُلُّ تفسير يُخالف هذا فباطل. قالُوا: وأعلم الأمة بهذه المسألة أزواجُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأعلمُهن بها عائشة رضي اللَّه عنها، لأنها فيهن لا في الرجال، ولأن اللَّه تعالى جعل قولَهن في ذلك مقبولاً في وجود الحيض والحمل، لأنه لا يُعلم إلا مِن جهتهن، فدلَّ على أنهنَّ أعلمُ بذلك من الرجال، فإذا قالت أمُّ المؤمنين رضي اللَّه عنها: إن الأقراء الأطهار.
فَقَدْ قَاَلتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ***** فَإنَّ القَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَام

قالوا: وأما الجوابُ المفصَّلُ، فَنُفْرِدُ كلَّ واحد مِن أدلتكم بجواب خاص، فهاكم الأجوبة. أما قولكم: إما أن يُراد بالأقراء في الآية الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعُهما إلى آخره.

فجوابُه أن نقول: الأطهار فقط، لما ذكرنا من الدلالة. قولُكم النص اقتضى ثلاثة إلى آخره. قلنا: عنه جوابان.
أحدهما: أن بقية الطهر عندنا قرء كامل، فما اعتدت إلا بثلاثِ كوامل.
الثاني: أن العرب تُوقِع اسم الجمع على اثنين، وبعضَ الثالث، كقوله تعالى: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، فإنها شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة أو تسع، أو ثلاثة عشر. ويقولون: لفلان ثلاث عشرة سنة، إذا دخل في السنة الثالثة عشر. فإذا كان هذا معروفاً في لُغتهم، وقد دل الدليلُ عليه، وجب المصيرُ إليه.
وأما قولكم: إن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر، فمقابَل بقولِ منازعيكم.
قولكم: إن أهل اللغة يُصدرون كتبهم بأن القرء هو الحيض، فيذكرونه تفسيراً للفظ، ثم يُردفونه بقولهم: بقيل، أو وقال بعضهم: هو الطهر.

قلنا: أهل اللغة يحكون أن له مسميين في اللغة، ويُصرحون بأنه يُقال على هذا وعلى هذا، ومنهم من يجعله في الحيض أظهر، ومنهم من يحكي إطلاقه عليهما من غير ترجيح، فالجوهري: رجَّح الحيض. والشافعي من أئمة اللغة، وقد رجح أنه الطهر، وقال أبو عبيد: القرء يصلحُ للطهر والحيض، وقال الزجاج: أخبرني من أثق به، عن يونس، أن القرء عنده يصلحُ للطهر والحيض، وقال أبو عمرو بن العلاء: القرء الوقت، وهو يصلُح للحيض، ويصلح للطهر، وإذا كانت هذه نصوص أهل اللغة، فكيف يحتجون بقولهم: إن الأقراء الحيض؟
قولكم: إن من جعله الطهر، فإنه يُريد أوقات الطهر التي يحتوشُها الدم، وإلا فالصغيرة والآية ليستا مِن ذوات الأقراء، وعنه جوابان.

أحدهما: المنع، بل إذا طلقت الصغيرة التي لم تحض ثم حاضت، فإنها تعتد بالطُّهر الذي طُلِّقت فيه قرءاً على أصح الوجهين عندنا، لأنه طهر بعده حيض، وكان قرءاً كما لو كان قبله حيض.
الثاني: إنا وإن سلمنا ذلك، فإن هذا يدل على أن الطهر لا يُسمى قرءاً حتى يحتوِشَهُ دمانِ، وكذلك نقولُ: فالدم شرط في تسميته قرءاً، وهذا لا يدل على أنَّ مسماه الحيض، وهذا كالكأس الذي لا يُقال على الإناء إلا بشرط كون الشراب فيه وإلا فهو زُجاجة أو قدح، والمائدة التي لا تُقال للخِوان إلا إذا كان عليه طعام، وإلا فهو خِوان، والكوز الذي لا يقال لمسماه: إلا إذا كان ذا عُروة، وإلا فهو كُوب، والقلم الذي يُشترط في صحة إطلاقه على القصبة كونها مبرية، وبدون البري، فهو أنبوب أو قصبة، والخاتم شرط إطلاقه أن يكون ذا فَصٍّ منه أَوْ مِنْ غيره، وإلا فهو فَتْحَةٌ، والفرو شرطُ إطلاقه على مسماه الصوف، وإلا فهو جلد. والرِّيطة شرط إطلاقها على مسماها أن تكون قِطعة واحدة، فإن كانت مُلفقة من قطعتين، فهي مُلاءة، والحُلة شرط إطلاقها أن تكون ثوبين، إزار ورداء، وإلا فهو ثوب، والأريكة لا تقال على السرير إلا إذا كان عليه حَجَلَة، وهي التي تُسمى بشخانة وخركاه، وإلا فهو سرير، واللَّطيمة لا تُقال للجِمال إلا إذا كان فيها طيب، وإلا فهي عِيْرٌ، والنَّفَق لا يقال إلا لما له منفذ، وإلا فهو سَرَبٌ، والعِهْنُ لا يقال للصوف إلا إذا كان مصبوغاً، وإلا فهو صوف، والخِدْر لا يقال إلا لما اشتمل على المرأة وإلا فهو سِتْر. والمِحْجَنُ لا يقال للعصا إلا إذا كان مَحْنَّيةِ الرأس، وإلا فهي عصا. والرَّكِيَّةُ لا تقال على البئر إلا بشرط كون الماء فيها، وإلا فهي بئر. والوَقُود لا يقال للحطب إلا إذا كانت النار فيه، وإلا فهو حطب، ولا يقال للتراب ثَرَى إلا بشرط نداوته، وإلا فهو تراب. ولا يقال للرسالة: مُغَلْغَلَة، إلا إذا حُمِلَتْ من بلد إلى بلد، وإلا فهي رسالة، ولا يقال للأرض فَرَاح إلا إذا هُيئت للزراعة، ولا يقال لهروب العبد: إباق إلا إذا كان هروبُه مِن غير خوف ولا جُوع ولا جَهد، وإلا فهو هروب، والريق لا يقال له رُضاب إلا إذا كان في الفم، فإذا فارقه فهو بُصاق وبُساق والشجاعُ لا يقال له: كَمي إلا إذا كان شاكي السلاح، وإلا فهو بطل وفي تسميته بطلاً قولان أحدهما: لأنه تُبْطِلُ شجاعته قِرنه وضربه وطعنه والثاني: لأنه تَبْطُلُ شجاعةُ الشجعان عنده، فعلى الأول، فهو فَعَلَ بمعنى فاعل، وعلى الثاني، فَعَل بمعنى مفعول، وهو قياسُ اللغة. والبعير لا يقال له: راوية إلا بشرط حمله للماء، والطبق لا يُسمى مِهْدَي إلا أن يكون عليه هدية، والمرأة لا تُسمى ظَعينة إلا بشرطِ كونها في الهودج، هذا في الأصل، وإلا فقد تُسمى المرأة ظعينة، وإن لم تكن في هودج، ومنه في الحديث: ( فَمرَّتْ ظُعُنٌ يَجْرِينَ ) والدلو لا يُقال له: سَجْل إلا ما دام فيه ماء، ولا يُقال لها: ذَنوب، إلا إذا امتلأت به، والسريرُ لا يقال له: نعش، إلا إذا كان عليه ميِّت، والعظمُ لا يقال له: عَرْق، إلا إذا اشتمل عليه لحم، والخيطُ لا يُسمى سِمطاً إلا إذا كان فيه خَرَز، ولا يقال للحَبْلِ: قَرَن إلا إذا قُرِنَ فيه اثنان فصاعداً، والقوم لا يسمون رِفقة إلا إذا انضموا في مجلس واحد، وسير واحد، فإذا تفرقوا زال هذا الاسمُ، ولم يَزُلْ عنهم اسمُ الرفيق، والحجارة لا تسمى رَضْفاً إلا إذا حُمِيَتْ بالشمس أو بالنار، والشمسُ لا يُقال لها: غزالة إلا عند ارتفاع النهار، والثوبُ لا يُسمى مِطْرَفاً، إلا إذا كان في طرفيه عَلَمَان، والمجلس لا يُقِال له: النادي إلا إذا كان أهلُه فيه، والمرأة لا يُقال لها: عاتِق إلا إذا كانت في بيت أبويها، ولا يسمى الماء الْمِلحُ أجُجاً، إلا إذا كان مع ملوحته مُرَّاً، ولا يُقال للسير: إهطاع إلا إذا كان معه خوفٌ، ولا يُقال للفرس: مُحَجَّل، إلا إذا كان البياض في قوائمها كُلِّها، أو أكثرِها، وهذا باب طويل لو تقصيناه، فكذلك لا يُقال للطهر: قرء، إلا إذا كان قبلَه دم، وبَعدَه دم، فأين في هذا ما يُدُلُّ على أنه حيض؟

مقالات ذات صلة

Flag Counter
إغلاق