منتديات التفوق  

العودة   منتديات التفوق > المنتدى الإسلامي Islamic Forum > ثقافة اسلامية

ثقافة اسلامية مواضيع إسلامية عامة, أحكام فقهية, عقيدة اسلامية, التوحيد, الفقه الاسلامية, مواضيع فقهية وعقدية

الإهداءات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-27-2019, 09:54 PM   #1
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Oct 2011
 أخر زيارة : اليوم (07:17 PM)
 المشاركات : 8,120 [ + ]
 التقييم :  10
افتراضي اكمال موضوع معنى الإقراء في الفقه الإسلامي وعدة المرأة




قولكم: إن من قال: إن الأقراء الحِيَض، لا يقولُون بقول علي وابن مسعود، ولا بقول عائشة، فإن علياً يقول: هو أحقُّ برجعتها ما لم تغتسل، وأنتم لا تقولون بواحدٍ من القولين، فهذا غايتُه أن يكون تناقضاً ممن لا يقول بذلك، كأصحاب أبي حنيفة، وتلْكَ شَكَاة ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا عمن يقول بقول علي، وهو الإمام أحمد وأصحابه، كما تقدم حكاية ذلك، فإن العِدة تبقى عنده إلى أن تغتسل كما قاله علي، ومن وافقه، ونحن نعتذِرُ عمن يقول: الأقراء الحِيض في ذلك، ولا يقول: هو أحقُّ بها ما لم تغتسل فإنه وافق من يقول: الأقراء الحِيض في ذلك، وخالفه في توقف انقضائها على الغسل لمعارض أوجب مخالفته، كما يفعلُه سائر الفقهاء. ولو ذهبنا نعُدُّ ما تصرفتم فيه هذا التصرفَ بعينه، فإن كان هذا المعارض صحيحاً لم يكن تناقضاً منهم، وإن لم يكن صحيحاً، لم يكن ضعفُ قولهم في إحدى المسألتين عندهم بمانع لهم مِن موافقتهم لهم في المسألة الأخرى، فإن موافقة أكابر الصحابة وفيهم مَنْ فيهم مِن الخلفاء الراشدين في معظم قولهم خيرٌ، وأولى من مخالفتهم في قولهم جميعِه وإلغائه بحيث لايُعتبر البتة.


قالوا: ثم لم نخالفهم في توقف انقضائها على الغسل، بل قلنا: لا تنقضي حتى تغتسِلَ، أو يمضي عليها وقتُ صلاة، فوافقناهم في قولهم بالغسل، وزدنا عليهم انقضاءَها بمضي وقت الصلاة، لأنها صارت في حكم الطاهرات بدليل استقرار الصلاة في ذمتها، فأين المخالفةُ الصريحة للخلفاء الراشدين رضوان اللَّه عليهم.
وقولكم: لا نجد في كتاب اللَّه للغسل معنى. فيقال: كتابُ اللَّه تعالى لم يتعرض للغسل بنفي ولا إثبات، وإنما علَّق الحِلَّ والبينونة بإنقضاء الأجل.
وقد اختلف السلف والخلف فيما ينقضي به الأجلُ، فقيل: بإنقطاع الحيض. وقيل: بالغسل أو مضي صلاة، أو انقطاعه لأكثره. وقيل: بالطعن في الحيضة الثالثة، وحجة من وقفه على الغسل قضاءُ الخلفاء الراشدين، قال الإمام أحمد: عمر، وعلي، وابن مسعود يقولون: حتى تغتسِلَ من الحيضة الثالثة. قالوا: وهم أعلمُ بكتاب اللَّه، وحدودِ ما أُنزِل على رسوله، وقد رُوِىَ هذا المذهب عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبي موسى، وعُبادة، وأبي الدرداء، حكاه صاحب كتاب المغني وغيره عنهم. ومن ههنا قيل: إن مذهب الصديق ومن ذُكِرَ معه، أن الأقراء: الحِيض.
قالوا: وهذا القول له حظ وافر مِن الفقه، فإن المرأة إذا انقطع حيضها صارت في حكم الطاهرات من وجه، وفي حكم الحُيَّضِ من وجه، والوجوه التي هي فيها في حكم الحيض أكثر من الوجوه التي هي فيها في حُكم الطاهرات، فإنها في حُكم الطاهرات في صحة الصيام، ووجوب الصلاة، وفي حُكم الحُيَّضِ في تحريم قراءة القرآن عند من حرمه على الحائض، واللبث في المسجد، والطواف بالبيت، وتحريم الوطء، وتحريم الطلاق في أحد القولين، فاحتاطَ الخلفاءُ الراشدون وأكابر الصحابة للنكاح، ولم يُخرجوها منه بعد ثبوته إلا بقيد لا ريبَ فيه، وهو ثبوتُ حكم الطاهرات في حقها من كل وجه، إزالةٌ لليقين بيقين مثله، إذ ليس جعلها حائضاً في تلك الأحكام أولى من جعلها حائضاً في بقاء الزوجية، وثبوت الرجعة، وهذا من أدق الفقه وألطفه مأخذاً.


قالوا: وأما قول الأعشى:
لِما ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائكا.
فغايته استعمال القروء في الطهر، ونحن لا ننكره.
قولكم: إن الطهر أسبق من الحيض، فكان أولى بالاسم، فترجيحٌ طريف جداً فمن أين يكون أولى بالاسم إذا كان سابقاً في الوجود؟ ثم ذلك السابق لا يُسمى قرءاً ما لم يسبقه دم عند جمهور من يقوله: الأقراء الأطهار، وهل يقال في كل لفظ مشترك: إن أسبق معانيه إلى الوجود أحق به، فيكون عَسْعَسَ من قوله: {واللَّيْلِ إذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17]، أولى بكونه لإقبال الليل لسبقه في الوجود، فإن الظلام سابق على الضياء.
وأما قولكم: إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر القروء بالأطهار، فلعمرُ اللَّه لو كان الأمر كذلك، لما سبقتمُونا إلى القول بأنها الأطهار، ولبادرنا إلى هذا القول اعتقاداً وعملاً، وهل المعوَّل إلا على تفسيره وبيانه:

تَقُولٌ سُلَيْمَى لَوْ أَقَمْتُمْ بأرْضِنَا ***** وَلَم تَدْرِ أَنىِّ لِلْمُقَامِ أَطُوفُ
فقد بينا مِن صريح كلامه ومعناه ما يدل على تفسيره للقروء بالحيض، وفي ذلك كفاية.


الأجوبة عن اعتراضكم على أدلتنا
قولكم في الاعتراض على الاستدلال بقوله: (ثلاثة قروء) فإنه يقتضى أن تكون كواملَ، أي بقية الطهر قرء كامل، فهذا ترجمة المذهب، والشأن في كونه قرءاً في لسان الشارع، أو في اللغة، فكيف تستدلون علينا بالمذهب، مع منازعة غيرِكم لكم فيه ممن يقول: الأقراء الأطهار كما تقدم؟ ولكن أوجدونا في لسان الشارع، أو في لغة العرب، أن اللحظة من الطهر تسمى قَرءاً كاملاً، وغايةُ ما عندكم أن بعض مَنْ قال: القروءُ الأطهار، لا كُلُّهم يقولُون: بقيةُ القرء المطلق فيه قَرء، وكَانَ ماذا؟، كيف وهذا الجزءُ مِن الطُّهر بعضُ طهرٍ بلا ريب؟ فإذا كان مسمى القَرء في الآية هو الطهر، وجب أن يكون هذا بعضَ قرء يقيناً، أو يكون القرء مشتركاً بينَ الجميع والبعض، وقد تقدَّم إبطالُ ذلك، وأنه لم يقل به أحد.
قولكم: إن العرب تُوقِعُ اسم الجمع على اثنين، وبعض الثالث، جوابه من وجوه.
أحدها: أن هذا إن وقع، فإنما يقع في أسماء الجموع التي هي ظواهرُ في مسماها، وأما صيغ العدد التي هي نصوص في مسماها، فكلاَّ ولَمَّا، ولم تَردْ صيغةُ العدد إلا مسبوقة بمسماها، كقوله: {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَاً في كِتَابِ اللَّهِ} [التوبة: 36] وقوله: {ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثلاثَ مِائةٍ سِنينَ وازْدَادُوا تِسْعاً} [الكهف: 25] وقوله: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةُ} [البقرة: 196]. وقوله: {سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} [الحاقة: 15]، ونظائره مما لا يُراد به في موضع واحد دون مسماه من العدد. وقوله:{ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، اسم عدد ليس بصيغة جمع، فلا يَصِحُّ إلحاقه بأشهر معلومات، لوجهين.

أحدهما: أن اسم العدد نصٌّ في مسماه لا يقبَلُ التخصيصَ المنفصل، بخلاف الاسم العام، فإنه يقبل التخصيصَ المنفصل، فلا يلزم من التوسعِ في الاسم الظاهر التوسعُ في الاسم الذي هو نص فيما يتناولُه.
الثاني: أن اسم الجمع يَصِحُّ استعمالُه في اثنين فقط مجازاً عند الأكثرين، وحقيقة عند بعضهم، فصحة استعماله في اثنين، وبعض الثالث أولى بخلافِ الثلاثة، ولهذا لما قال اللَّه تعالى: {فَإنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 16]، حمله الجمهورُ على أخوين، ولما قال: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} [النور: 6]، لم يحملها أحدٌ على ما دون الأربع.
والجواب الثاني: أنه وإن صح استعمال الجمع في اثنين، وبعض الثالث، إلا أنه مجاز، والحقيقةُ أن يكون المعنى على وفق اللفظ، وإذا دار اللفظُ بين حقيقته ومجازه، فالحقيقةُ أولى به.


الجواب الثالث: أنه إنما جاء استعمالُ الجمع في اثنين، وبعض الثالث في أسماء الأيام والشهور والأعوام خاصة، لأن التاريخ إنما يكون في أثناء هذه الأزمنة، فتارة يُدخلون السنة الناقصة في التاريخ، وتارة لا يُدخلونها. وكذلك الأيامُ، وقد توسَّعُوا في ذلك ما لم يتوسعوا في غيره، فأطلقوا الليالي، وأرادوا الأيامَ معها تارة، وبدونها أخرى وبالعكس.

الجواب الرابع: أن هذا التجوزَ جاء في جمع القِلة، وهو قوله: {الحجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}. [البقرة: 197] وقوله: {ثَلاَثَةَ قُروُءٍ} [البقرة: 228]، جمعُ كثرة، وكان مِن الممكن أن يُقال: ثلاثة أقراء، إذ هو الأغلبُ على الكلام، بل هو الحقيقة عند أكثر النحاة، والعدولُ عن صيغة القلة إلى صيغة الكثرة لا بد له من فائدة، ونفي التجوز في هذا الجمع يصلح أن يكون فائدة، ولا يظهر غيرها، فوجب اعتبارُها.

الجواب الخامس: أن اسم الجمع إنما يُطلق على اثنين، وبعض الثالث فيما يقبل التبعيض، وهو اليومُ والشهر والعامُ، ونحو ذلك دونَ ما لا يقبله، والحيض والطهر لا يتبعضان، ولهذا جُعِلَتْ عدة الأمة ذات الأقراء قرءين كاملين بالاتفاق، ولو أمكن تنصيفُ القرء، لجعلت قَرءاً ونصفاً، هذا مع قيام المقتضى للتبعيض، فأن لا يجوزَ التبعيض مع قيام المقتضى للتكميل أولى، وسِرُّ المسألة أن القرءَ ليس لبعضه حكم في الشرع.
الجواب السادس: أنه سبحانه قال في الآيسة والصغيرة: {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرِ} [الطلاق: 4] ثم اتفقت الأمة على أنها ثلاثة كوامل، وهي بدلٌ عن الحيض، فتكميلُ المبدل أولى.
قولكم: إن أهل اللغة يُصرحون بأن له مسميين: الحيض والطهر، لا ننازعكم فيه، ولكن حمله على الحيض أولى للوجوه التي ذكرناها، والمشترك إذا اقترن به قرائنُ تُرجِّحُ أحدَ معانيه، وجب الحملُ على الراجح.
قولكم: إن الطهر الذي لم يسبقه دم، قَرء على الأصح، فهذا ترجيحٌ وتفسير للفظة بالمذهب، وإلا فلا يُعرف في لغة العرب قط أن طهر بنتِ أربع سنين يُسمى قرءاً، ولا تُسمى من ذوات الأقراء، لا لغة ولا عرفاً ولا شرعاً، فثبت أن الدم داخل في مسمى القَرء، ولا يكون قرءاً إلا مع وجوده.


قولكم: إن الدم شرط للتسمية، كالكأس والقلم وغيرهما من الألفاظ المذكورة تنظِيرٌ فاسد، فإن مسمى تلك الألفاظَ حقيقة واحدة مشروطة بشروط، والقَرء مشترك بين الطهر والحيض، يقال: على كل منهما حقيقة، فالحيضُ مسماه حقيقة لا أنه شرط في استعماله في أحد مسمييه فافترقا.
قولكم: لم يجىء في لسان الشارع للحيض، قلنا، قد بينا مجيئَه في كلامه للحيض، بل لم يجىء في كلامه للطهر البتة في موضع واحد، وقد تقدَّم أن سفيان ابن عيينة روى عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي اللَّه عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة (تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِها). قولكم: إن الشافعي قال: ما حدث بهذا سفيان قط، جوابُه أن الشافعي لم يسمع سفيان يُحدث به، فقال بموجب ما سمعَه مِن سفيان، أو عنه من قوله: (لتنظر عدد الليالى والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر) وقد سمعه من سفيان من لا يُستراب بحفظه وصدقه وعدالته. وثبت في السنن، من حديث فاطمة بنت أبي حُبيش، أنها سألت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الدَّمَ، فقال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فانْظُرى، فإذا أَتَى قَرْؤُك، فَلاَ تُصَلِّى، وإذَا مَرَّ قَرْؤُكِ، فَتَطَهَّرِى، ثُمَّ صَلِّى مَا بَيْنَ القَرْءِ إلى القَرْءِ). رواه أبو داود بإسناد صحيح، فذكرفيه لفظ القرء أربع مرات في كل ذلك يريد به الحيض لا الطهر، وكذلك إسناد الذي قبله، وقد صححه جماعة من الحفاظ.

وأما حديث سفيان الذي قال فيه: (لِتنظُرْ عَدَدَ الليالى والأيامَ التي كانت تحيضُهن من الشهر)، فلا تعارض بينه وبين اللفظ الذي احتججنا به بوجه ما حتى يُطلب ترجيحُ أحدهما على الآخر، بل أحدُ اللفظين يجرى من الآخر مجرى التفسير والبيان، وهذا يدل على أن القَرء اسم لتلك الليالى والأيام، فإنه إن كانا جميعاً لفظَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر فظاهر، وإن كان قد روى بالمعنى، فلولا أن معنى أحدِ اللفظين معنى الآخر لغة وشرعاً، لم تَحِلَّ للراوى أن يُبدِّلَ لفظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بما لا يقوم مقامه، ولا يسوغُ له أن يُبَدِّلَ اللفظ بما يُوافق مذهبه، ولا يكون مرادفاً للفظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لا سيما والراوى لذلك من لا يُدفع عن الإمامة والصدق والورع، وهو أيوب السَّختيانى، وهو أجلُّ مِن نافع وأعلم.
وقد روى عثمان بن سعد الكاتب، حدثنا ابن أبي مليكة، قال: جاءت خالتي فاطمة بنت أبي حُبيش إلى عائشة رضي اللَّه عنها، فقالت: إنى أخاف أن أقع في النار، أَدَعُ الصلاةَ السنة والسنتين، قالت: انتظرى حَتى يجىءَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجاء، فقالت عائشةُ رضي اللَّه عنها: هذه فاطمةُ تقول: كذا وكذا، قال: (قُولى لَهَا فَلْتَدَعِ الصَّلاَةَ في كُلِّ شَهْرٍ أَيَّامَ قَرْئِهَا). قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وعثمان بن سعد الكاتب بصرى ثقة عزيز الحديث، يُجمع حديثه، قال البيهقي: وتكلم فيه غيرُ واحد. وفيه: أنه تابعه الحجاجُ بن أرطاة عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي اللَّه عنها.
وفي المسند: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لِفاطمة: ( إذَا أَقْبَلَتْ أَيَّامُ أَقْرَائِكِ فأمْسِكي عَلَيْكِ.. ) الحديثَ.
وفي سنن أبي داود من حديث عدى بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في المستحاضة ( تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أقْرَائِهَا، ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلي ).
وفي سننه أيضاً: أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الدم، فقال لها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: ( إنَّما ذلكَ عِرْقٌ فَانْظُرى، فَإذَا أَتى قَرْؤُكِ، فَلاَ تُصَلِّى، فإذا مَرَّ قَرْؤُكِ فَتَطَهَّرى ثُمَّ صَلِّى ما بَيْنَ القَرْءِ إلى القَرْءِ ). وقد تقدم.
قال أبو داود: وروى قتادة، عن عروة، عن زينب، عن أم سلمة رضي اللَّه عنها، أن أمَّ حبيبة بنت جحش رضي اللَّه عنها استحيضت، فأمرها النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن تَدَعَ الصَّلاة أيَّامَ أقرائها.


وتعليل هذه الأحاديث، بأن هذا مِن تغيير الرواة، رووه بالمعنى لا يُلتفت إليه، ولا يُعرج عليه، فلو كانت من جانب مَنْ عللها، لأعاد ذِكرها وأبداه، وشنَّع على من خالفها.
وأما قولكم: إن اللَّه سبحانه وتعالى جعل اليأس من الحيض شرطاً في الاعتداد بالأشهر، فمن أين يلزم أن تكون القُروء هي الحِيَض؟ قلنا: لأنه جعل الأشهرَ الثلاثة بدلاً عنِ الأقراءِ الثلاثة، وقال: {واللاَّئى يَئِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمُ} [الطلاق: 4]، فنقلهن إلى الأشهر عند تعذُّر مبدلهن، وهو الحيض، فدل على أن الأشهر بدل عن الحيضِ الذي يَئِسْنَ منه، لا عن الطهر، وهذا واضح.
قولكم: حديثُ عائشة رضي اللَّه عنها معلول بمظاهر بن أسلم، ومخالفة عائشة له، فنحن إنما احتججنا عليكم بما استدللُتم به علينا في كون الطلاق بالنساء لا بالرجال، فكُلُّ من صنف من أصحابكم في طريق الخلاف، أو استدلَّ على أن طلاق العبد طلقتان، احتج علينا بهذا الحديث. وقال: جعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم طلاقَ العبد تطليقتين، فاعتبر الطلاقَ بالرجال لا بالنساء، واعتبر العِدة بالنساء، فقال: وعدة الأَمَةِ حَيْضَتَانِ. فيا سُبحان اللَّه، يكونُ الحديث سليماً من العِلل إذا كان حجة لكم، فإذا احتجَّ به منازعوكم عليكم اعتورته العِلل المختلفة، فما أشبَهه بقول القائل:


يَكُونُ أُجَاجاً دُونَكُم فَإذَا انْتَهي ***** إلَيْكُم تَلقَّى نَشْركُمْ فَيَطِيبُ
فنحن إنما كِلنا لكم بالصاع الذي كِلتم لنا به بخساً ببخس، وإيفاءً بإيفاء، ولا ريبَ أن مُظاهراً ممن لا يُحتج به، ولكن لا يمتنع أن يُعْتَضَدَ بحديثه، ويقوى به، والدليلُ غيرُه.
وأما تعليلُه بخلاف عائشة رضي اللَّه عنها له، فأين ذلك من تقريرِكم، أن مخالفة الراوى لا تُوجب ردَّ حديثه، وأن الاعتبار بما رواه لا بما رآه، وتكثركم مِن الأمثلة التي أخذ الناسُ فيها بالرواية دونَ مخالفة راويها لها، كما أخذوا بروايةِ ابن عباس المتضمنة لبقاء النكاح مع بيع الزوجة، وتركوا رأيه بأن بيع الأمة طلاقُها، وغير ذلك.
وأما ردكم لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنه: (طلاق الأمة طلقتان، وقَرؤها حيضتان). بعطية العوفي، فهو وإن ضعفه أكثرُ أهل الحديث، فقد احتمل الناسُ حديثه، وخرجوه في السنن، وقال يحيى بن معين في رواية عباس الدورى عنه: صالح الحديث، وقال أبو أحمد بن عدى رحمه اللَّه: روى عنه جماعة من الثقات، وهو مع ضعفه يُكتب حديثه، فيُعتضد به وإن لم يُعتمد عليه وحده.
وأما ردكم الحديث بأن ابن عمر مذهبه: أن القُروء الأطهار، فلا ريب أن هذا يُورث شبهة في الحديث، ولكن ليس هذا بأوّلِ حديث خالفه راويه، فكان الاعتبارُ بما رواه لا بما ذهب إليه، وهذا هو الجوابُ عن ردكم لحديث عائشة رضي اللَّه عنها بمذهبان، ولا يُعترض على الأحاديث بمخالفة الرواة لها.

وأما ردُّكم لحديث المختلعة، وأمرها أن تعتد بحيضة، فإنا لا نقول به، فللناس في هذه المسألة قولان، وهما روايتان عن أحمد أحدهما: أن عدتها ثلاثُ حيض، كقول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة. والثاني: أن عدتها حيضة، وهو قولُ أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وهو مذهب أبان بن عثمان، وبه يقول إسحاق ابن راهويه، وابن المنذر، وهذا هو الصحيحُ في الدليل، والأحاديث الواردة فيه لا معارضَ لها، والقياس يقتضيه حكماً، وسنبين هذه المسألة عند ذكر حكم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في عِدة المختلعة.
قالُوا: ومخالفتنا لحديث اعتداد المختلعة بحيضة في بعض ما اقتضاه من جواز الاعتداد بحيضة لا يكونُ عذراً لكم في مخالفة ما اقتضاه من أن القُروء الحيض، فنحن وإن خالفناه في حكم، فقد وافقناه في الحكم الآخر، وهو أن القَرء الحيض، وأنتم خالفتموه في الأمرين جميعاً، هذا مع أن من يقول: الأقراء الحِيض، ويقول: المختلعة تعتد بحيضة، قد سَلِمَ مِن هذه المطالبة، فماذا تردون به قولَه؟

وأما قولُكم في الفرق بين الاستبراء والعِدة: إن العِدة وجبت قضاءَ لحق الزوج، فاختصت بزمان حقه، كلامٌ لا تحقيق وراءه، فإن حقَّه في جنس الاستمتاع في زمن الحيض والطهر، وليس حقه مختصاً بزمن الطهر، ولا العِدة مختصة بزمن الطهر دون الحيض، وكلا الوقتين محسوب من العدة، وعدم تكرر الاستبراء لا يمنع أن يكون طهراً محتوشاً بدمين، كقُرء المطلقة، فتبين أن الفرق غيرُ طائل.
قولكم: إن انضمام قرءين إلى الطهر الذي جامع فيه يجعلُه علماً جوابُه أن هذا يُفضى إلى أن تكون العِدة قرءين حسب، فإن ذلك الذي جامع فيه لادلالة له على البراءة البتة، وإنما الدالُّ القَرآنِ بعده، وهذا خلاف موجب النص، وهذا لا يلزمُ مِن جعل الأقراء الحِيض، فإن الحيضة وحدها علم، ولهذا اكتفي بها في استبراء الإماء.
قولكم: إن القرء هو الجمع، والحيض يجتمع في زمان الطهر، فقد تقدم جوابُه، وأن ذلك في المعتل لا في المهموز.
قولكم: دخولُ التاء في ثلاثة، يدل على أن واحدها مذكر، وهو الطهر، جوابُه أن واحد القروء قَرء، وهو مذكر، فأتى بالتاء مراعاةً للفظه، وإن كان مسماه حيضة، وهذا كما يُقال: جاءنى ثلاثة أنفس، وهُنَّ نساء بإعتبار اللفظ. واللَّه أعلم.


وقد احتج بعُموم آيات العِدد الثلاث مَنْ يرى أن عِدة الحرة والأمة سواء، قال أبو محمد ابن حزم: وعدة الأمة المتزوجة من الطلاق والوفاة، كعدة الحرة سواء بسواء، ولا فرق، لأن اللَّه تعالى علَّمنا العِدَدَ في الكِتاب، فقال: {وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَة قُروُءٍ} [البقرة: 228] وقال: {والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُم وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234]، وقال اللَّه تعالى: {واللاَّئى يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُم إن ارْتَبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ واللاَّئى لَم يحِضْنَ وَأُولاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [الطلاق: 4]، وقد علم اللَّه تعالى إذ أباح لنا زواج الإماء، أنه يكون عليهن العِدَدُ المذكورات. وما فرَّق عز وجل بين حُرَّةٍ ولا أَمَةٍ في ذلك، وما كان ربك نسياً.
وثبت عمن سلف مثل قولنا: قال محمد بن سِيرين رحمه اللَّه. ما أرى عِدَّة الأَمَةِ إلا كَعِدَّة الحُرَّة، إلا أن يكون مضت في ذلك سُنَّةٌ، فالسُّنَّةُ أحقُّ أن تُتَّبَعَ. قال: وقد ذكر أحمد بن حنبل، أن قول مكحول: إنَّ عِدَّة الأمة في كل شى، كَعِدَّة الحُرَّة، وهو قول أبي سليمان، وجميع أصحابنا، هذا كلامه.

وقد خالفهم في ذلك جمهور الأُمَّةِ، فقالوا: عِدَّتُها نصف عِدَّة الحرة، هذا قول فقهاء المدينة: سعيدِ بنِ المسيب، والقاسِم، وسالِم، وزيدِ بن أسلم، وعبدِ اللَّه بن عتبة، والزهري، ومالك، وفقهاءِ أهل مكة: كعطاءِ بنِ أبي رباح، ومسلم بنِ خالد وغيرهما، وفقهاءِ البصرة: كقتادة، وفقهاءِ الكوفة، كالثورىِّ وأبي حنيفةَ وأصحابِه رحمهم اللَّه. وفقهاءِ الحديثِ كأحَمدَ وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور رحمهم اللَّه وغيرهم، وسلفُهم في ذلك الخليفتان الراشدان: عمرُ بنُ الخطاب، وعلىُّ بنُ أبي طالب، رضي اللَّه عنهما، صح ذلك عنهما، وهو قولُ عبدِ اللَّه بنِ عمر رضي اللَّه عنه، كما رواه مالك، عن نافع، عنه: عِدَّةُ الأَمَةِ حيضتان، عِدَّةُ الحرة ثلاث حِيَض، وهو قول زيد ابن ثابت، كما رواه الزهري، عن قَبيصة، بن ذُؤَيب، عن زيد بن ثابت: عِدَّةُ الأَمَةِ حيضتان، وعِدَّة الحرة ثلاثُ حِيَضِ. وروى حماد بن زيد، عن عمرو بن أوس الثقفي، أن عمرَ بنَ الخطاب رضي اللَّه عنه قال: لو استطعتُ أن أجعلَ عِدَّةَ الأَمَةِ حيضةً ونصفاً لفعلت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، فاجعلها شهراً ونصفاً.
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريح، أخبرنى أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: جعل لها عمرُ رضي اللَّه عنه حيضتين، يعني: الأَمَةَ المطَلَّقة. وروى عبد الرزاق أيضاً: عن ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عمر رضي اللَّه عنه: ينكح العبد اثنتين، ويطلِّق تطليقتين، وتعتدُّ الأَمَةُ حيضتين، فإن لم تحض، فَشَهْرين أو قال: فشهراً ونصفاً.
وذكر عبد الرزاق أيضاً: عن معمرَ، عن المغيرة، عن إبراهيم النخعى، عن ابن مسعود قال: يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة.
وقال ابن وهب: أخبرنى رجال من أهل العلم: أن نافعاً، وابنَ قُسَيْطٍ، ويحيى ابن سيعد، وربيعة، وغير واحد من أصحابِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، والتابعين، قالوا: عِدَّةُ الأَمَةِ حيضتان. قالوا: ولم يزل هذا عمل المسلمين.

قال ابن وهب: أخبرنى هشام بن سَعْد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي اللَّه عنهم، قال: عِدَّة الأَمَةِ حيضتان.
قال القاسم: مع أن هذا ليس في كتاب اللَّه عز وجل، ولا نعلمه سُنَّةً عَنْ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولكن قد مضى أمرُ النَّاس على هذا، وقد تقدَّم هذا الحديث بعينه، وقولُ القاسم وسالم فيه لرسول الأمير، قل له: إن هذا ليس في كِتاب اللَّه، ولا سُنَّةِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولكن عمل به المسلمون. قالوا: ولو لم يكن في المسألة إلا قولُ عمر، وابنِ مسعود، وزيدِ بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر، لكفي به.
وفي قول ابن مسعود رضي اللَّه عنه: تجعلون عليها نصف العذاب، ولا تجعلون لها نصف الرخصة، دليل على اعتبار الصحابة للأَقْيسة والمعانى، وإلحاق النظير بالنظير.
ولما كان هذا الأثر مخالفاً لقول الظاهرية في الأصل والفرع، طعن ابنُ حزم فيه وقال: لا يصح عن ابن مسعود: قال وهذا بعيد على رجل من عُرْضِ الناس، فكيف عن مثل ابن مسعود؟ وإنما جَرَّأَه على الطعن فيه، أنه من رواية إبراهيم النخعى عنه، رواه عبد الرزاق عن معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم، وإبراهيم لم يسمع من عبد اللَّه، ولكن الواسطة بينه وبينه أصحاب عبد اللَّه كعلقمة ونحوه، وقد قال إبراهيم: إذا قلتُ: قال عبد اللَّه، فقد حدثنى به غير واحد عنه، وإذا قلت: قال فلان عنه، فهو عمن سَمَّيْتُ، أو كما قال. ومن المعلوم: أن بين إبراهيم، وعبد اللَّه أئمة ثقات، لم يسمِّ قَطُّ مُتَّهماً، ولا مجروحاً، ولا مجهولاً، فشيوخه الذين أخذ عنهم عن عبد اللَّه أئمة أجلاء نبلاء، وكانوا كما قيل: مُرُجَ الكوفة، وكل من له ذَوْق في الحديث إذا قال إبراهيم: قال عبد اللَّه، لم يتوقف في ثبوته عنه، وإن كان غيره ممن في طبقته، لو قال: قال عبد اللَّه، لا يحصل لنا الثبت بقوله، فإبراهيم عن عبد اللَّه نظيرُ ابنِ المسيِّب عن عمر، ونظير مالك عن ابن عمر، فإن الوسائط بين هؤلاء وبين الصحابة رضي اللَّه عنهم إذا سَمَّوْهم وُجِدُوا من أَجَلِّ الناس، وأوثقهم، وأصدقِهم، ولا يُسَمُّون سواهم البتة، وَدَعِ ابنَ مسعود في هذه المسألة، فكيف يخالف عمرَ، وزيداً، وابن عمر، وهم أعلم بكتاب اللَّه وسُنَّةِ رسوله، ويخالف عمل المسلمين، لا إلى قول صاحبٍ البتة، ولا إلى حديث صحيح، ولا حسن، بل إلى عمومٍ أمره ظاهر عند جميع الأُمَّةِ، ليس هو مما تخفي دلالته، ولا موضعه، حتى يظفر به الواحد والاثنان دون سائر الناس، هذا من أبين المحال.


ولو ذهبنا نذكر الآثار عن التابعين بتنصيف عِدَّة الأمة، لطالت جداً ثم إذا تأملتَ سياق الآيات التي فيها ذِكر العِدَد، وجدتَها لا تتناول الإماء، وإنما تتناول الحرائر، فإنه سبحانه قال: {وَالمطَلَّقَاتُ يَتَربَّصْنَ بأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ في أَرْحَامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخرِ وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالمعْرُوفِ} [البقرة: 228] إلى أن قال: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاَّ أَنْ يَخَافَا أَنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتَدَتْ به} [البقرة: 229] وهذا في حق الحرائر دون الإماء، فإن افتداءَ الأمة إلى سيدها، لا إليها ثم قال: {فَإنْ طَلَّقَهَا، فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلاَجُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: 230]، فجعل ذلك إليهما، والتراجع المذكور في حق الأمة، وهو العقد، إنما هو إلى سيدها، لا إليها، بخلاف الحرة، فإنه إليها بإذن وليها، وكذلك قوله سبحانه في عدة الوفاة:{وَالَّذِينَ يُتَوَفُّوْنَ مِنْكُم ويَذرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بِالمعْرُوفِ} [البقرة: 234]، وهذا إنما هو في حق الحرة، وأما الأمة، فلا فعل لها في نفسها البتة، فهذا في العدة الأصلية. وأما عدة الأشهر، ففرع وبدل. وأما عدة وضع الحمل، فيستويان فيها، كما ذهب إليه أصحابُ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، والتابعون، وعمل به المسلمون، وهو محض الفقه، وموافق لكتاب اللَّه في تنصيف الحدِّ عليها، ولا يعرف في الصحابة مخالف في ذلك، وفَهْمُ أصحابِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن اللَّه أولى من فَهْمِ مَنْ شَذَّ عنهم من المتأخِّرين، وباللَّه التوفيق.

ولا تعرف التسوية بين الحُرَّة والأمة في العِدَّة عن أحدٍ من السلف إلا عن محمد ابن سيرين، ومكحول. فأما ابنُ سيرين، فلم يَجزِمْ بذلك، وأخبر به عن رأيه، وعلَّق القولَ به على عدم سُنَّة تُتَّبَعُ. وأما قول مكحول، فلم يذكر له سنداً، وإنما حكاه عنه أحمد رحمه اللَّه، وهو لا يقبل عند أهل الظاهر، ولا يصح، فلم يبق معكم أحد من السلف إلا رأي ابنِ سيرين وحدَه المعلَّقُ على عدم سُنةٍ مُتَّبعةٍ، ولا ريب أن سُنَّةَ عمرَ بنِ الخطاب رضي اللَّه عنه في ذلك مُتَّبَعَةُ، ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة رضي اللَّه عنهم، واللَّه أعلم.
فإن قيل: كَيفَ تَدَّعُون إجماع الصحابة وجماهير الأُمَّة، وقد صحَّ عن عمرَ بنِ الخطاب رضي اللَّه عنه، أن عِدَّةَ الأمَةِ التي لم تبلغْ ثلاثةُ أشهر، وصح ذلك عن عمرَ بنِ عبد العزيز، ومجاهدِ والحسنِ، وربيعةَ، والليثِ بن سَعْدٍ والزهري، وبكر ابنِ الأشجِّ، ومالكٍ، وأصحابه، وأحمدَ بنِ حنبلٍ في إحدى الروايات عنه ومعلوم أن الأشهر في حق الآيسة والصغيرة بَدَلٌ عن الأَقراء الثلاث، فدل على أن بَدَلها في حقها ثلاثةٌ.

فالجواب: أن القائلين بهذا هم بأنفسهم القائلون: إن عِدَّتها حيضتان وقد أَفْنُوا بهذا، وهذا، ولهم في الاعتداد بالأشهر ثلاثةُ أقوال، وهي للشافعي، وهي ثلاث روايات عن أحمد. فأكثر الرواياتِ عنه أنها شهران، رواه عنه جماعة من أصحابه، وهو إحدى الروايتين عن عمرَ بنِ الخطاب رضي اللَّه عنه، ذكرها الأثرم وغيره عنه.
وحجةُ هذا القول: أن عِدَّتها بالأقراء حيضتان، فجعل كل شهر مكان حيضةٍ.

والقول الثاني: أن عِدَّتها شهرٌ ونصف، نقلها عنه الأثرم، والميمونى، وهذا قول علىِّ بنِ أبي طالب، وابنِ عمر، وابنِ المسيِّب، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد أقواله. وحجته: أن التنصيف في الأشهر ممكن، فتنصفت، بخلاف القروء. ونظير هذا: أن المُحْرِمَ إذا وجبَ عليه في جزاء الصيد نصفَ مدٍّ أخرجه، فإن أراد الصيام مكانه، لم يجزه إلا صوم يومٍ كاملٍ.

والقول الثالث: أنَّ عِدَّتها ثلاثةُ أشهرٍ كواملَ، وهو إحدى الروايتين عن عمر رضي اللَّه عنه، وقول ثالث للشافعي: وهو فيمن ذكرتموه.
والفرق عند هؤلاء بين اعتدادها بالأقراء، وبين اعتدادها بالشهور، أن الاعتبار بالشهور للعلم ببراءة رحمها، وهو لا يحصل بدون ثلاثة أشهر في حق الحرة والأمة جميعاً، لأن الحمل يكون نُطفةُ أربعين يوماً، ثم عَلقةً أربعين، ثم مُضْغةً أربعين، وهو الطَّوْر الثالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل، وهو بالنسبة إلى الحرة والأمة سواء، بخلاف الأقراء، فإن الحيضة الواحدة عَلَم ظاهر على الاستبراء، ولهذا اكتفي بها في حَقِّ المملوكة، فإذا زُوِّجَتْ فقد أخذت شَبهاً من الحرائر، وصارت أشرفَ من ملك اليمين، فجعلت عِدَّتُها بين العدتين.
قال الشيخ في المغني: ومن ردَّ هذا القول، قال: هو مخالف لإجماع الصحابة، لأنهم اختلفوا على القولين الأَوَّلَيْن، ومتى اختلفوا على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث، لأنه يفضى إلى تخطئتهم، وخروجِ الحق عن قول جميعهم. قلت: وليس في هذا إحداثُ قولٍ ثالثٍ، بل هو إحدى الروايتين عن عمر، ذكرها ابن وهب وغيره، وقال به من التابعين من ذكرناهم وغيرهم.




 
 توقيع : admin

الرجاء الاعجاب بصفحة منتديات التفوق التعليمية
https://web.facebook.com/Tafawk/

ونتشرف بانضمامكم الى مجموعتنا ملتقى التفوق العالمي

https://web.facebook.com/groups/231400913709741/


رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
موضوع قضاؤه وحكمه صلى الله عليه وسلم في تحريم وطء المرأة الحبلى من غير الوَاطىء admin ثقافة اسلامية 0 01-31-2019 08:19 PM
وظائف شاغرة لدى أمانة مجمع الفقه الإسلامي الدولي - السعودية talemnews وظائف تعليم وتدريس 0 12-04-2018 03:47 PM
حل معنى اختلاط الأمر في موضوع ما - لعبة كلمات متقاطعة 2016 admin أسئلة وأجوبة في اللغة العربية واللغات الأخرى Questions and Answers in languages 0 01-27-2016 02:27 PM
أحكام العدة - عدة المرأة المطلقة وعدة المرأة على زوجها المتوفى أو المفقود admin ثقافة اسلامية 0 07-24-2014 12:19 AM
بحث ماجستير - رسالة ماجستير بعنوان إجراءات تبليغ المدعى عليه في الفقه الإسلامي أ.أحمد القدومي admin أبحاث جامعية 0 11-21-2012 09:16 PM

Bookmark and Share


الساعة الآن 11:31 PM

أقسام المنتدى

المنتدى الإسلامي Islamic Forum | علوم القران الكريم Quran sciences | تفسير القران الكريم | علوم الحديث | ثقافة اسلامية | منتدى اللغة العربية والآداب | الشعر | قصص أدبية | الحكم والأمثال | منتدى العلوم | العلوم الحياتية | الأحياء الدقيقة | العلوم الطبيعية | المنتدى العام | منتدى الثقافة العامة | المنتدى الصحي | الصحة العامة | الغذاء والصحة - الطب البديل - العلاج بالاعشاب والغذاء | صحة الطفل | منتدى المعلم | خطط وتحليل محتوى التربية الإسلامية | خطط و تحليل محتوى للمواد العلمية | منتدى الطلاب | منتدى امتحانات الطلاب | القسم الإداري والوظائف | قسم الأبحاث الطلابية | الثانوية العامة التوجيهي | اهتمامات المعلم | خطط وتحليل محتوى اللغة العربية | خواطر وحوارات أعضاء المنتديات | سؤال وجواب - سين - جيم Questions and Answers | منتدى التدريب و التطوير | أسئلة وأجوبة لمواد التوجيهي | خطط وتحليل محتوى اللغة الإنجليزية | خطط وتحليل محتوى لمادة الحاسوب | خطط وتحليل محتوى لمواد الإجتماعيات | خطط وتحليل محتوى التربية المهنية والفنية والرياضية والثقافة المالية | تجارب في علم الأحياء الدقيقة | منتدى الأمراض وعلاجها | منتديات البيت العربي | منتديات المرأة العربية | منتديات الرجل العربي | منتدى المطبخ العربي | مستلزمات البيت العربي | منتدى الأدعية والمأثورات | أسئلة واجوبة اجتماعيات | شخصيات وأعلام | السياحة والسفر | تجارب فسيولوجيا النبات | تجارب في فسيولوجيا الإنسان والحيوان | تقنيات نباتية وحيوانية | أسئلة وأجوبة رياضيات | اسئلة واجوبة فيزياء | اسئلة واجوبة كيمياء وعلوم أرض | أسئلة وأجوبة أحياء وثقافة عامة | أسئلة وأجوبة عربي - لغة عربية | أسئلة وأجوبة دين وعلوم اسلامية | اسئلة واجوبة حاسوب | الخدمات العامة | أسئلة واجوبة انجليزي | أسئلة امتحانات عربي للمراحل الأساسية | أسئلة امتحانات مواد علمية للمراحل الأساسية | أسئلة امتحانات حاسوب للمراحل الأساسية | أسئلة امتحانات انجليزي للمراحل الأساسية | أسئلة امتحانات اجتماعيات ومهني للمراحل الأساسية | أبحاث جامعية | أبحاث لطلاب المدارس في التخصصات العلمية | أبحاث لطلاب المدارس في التخصصات الأدبية | الأدوية والمستحضرات الصيدلانية | المضادات الحيوية | المسكنات ومضادات الألم ومخفضات الحرارة | أدوية الدم والقلب والأوعية الدموية | أدوية الأنف والأذن والحنجرة وأدوية الجهاز التنفسي | خطط منوعة - تخصصات مختلفة | قسم رياض الأطفال | قصص شعبية | قصص خيالية | قصص واقعية | قصص اسلامية | أسئلة وأجوبة في العلوم والرياضيات Questions and Answers in science and math | أسئلة وأجوبة في التاريخ والجغرافيا Questions and Answers in geography and history | أسئلة وأجوبة دينية Questions and Answers in relision | أسئلة وأجوبة في اللغة العربية واللغات الأخرى Questions and Answers in languages | أسئلة وأجوبة في الرياضة Questions and Answers in sports | تحضير دروس يومي لجميع المواد | قسم أوراق العمل لجميع المواد | قسم نتائج التوجيهي - نتائج الثانوية العامة | طلاب الشامل - أخبار ونماذج من أسئلة السنوات السابقة لامتحان الشهادة الجامعية المتوسطة | منتدى اللغة العربية العام | قسم امتحانات تيميس وبيسا timss and PISA | أسئلة وأجوبة عامة | أسئلة وأجوبة أحداث وتواريخ | قسم التربية الخاصة وعلم النفس | خطط وتحليل محتوى الرياضيات - الفصل الأول والثاني | خطط وتحليل محتوى فيزياء - الفصل الأول والثاني | خطط وتحليل محتوى الكيمياء- الفصل الأول والثاني | خطط وتحليل محتوى العلوم الحياتية - الفصل الأول والثاني | خطط وتحليل محتوى علوم الأرض- الفصل الأول والثاني | أسئلة امتحانات التربية الاسلامية للصفوف الأساسية | منتدى التوظيف والوظائف | وظائف تعليم وتدريس | وظائف هندسية | وظائف ادارة ومحاسبة | وظائف كمبيوتر وبرمجة | وظائف منوعة | وظائف طبية |



Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
.:: تركيب وتطوير مؤسسة نظام العرب ::.
خاص بمنتديات التفوق - يرجى ذكر المصدر عند الإقتباس
This Forum used Arshfny Mod by islam servant